هل تنقسم نواة كوردستان على أيدي أحزابها؟
كان التلويح بإقامة سلطة موازية في السليمانية أخطر ما حمله تصريح بافل طالباني في 5 تشرين الثاني 2026. فقد أعلن رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني انسحاب حزبه من حكومة الإقليم القائمة، ورفض الاعتراف بما يصدر عن جلسة البرلمان، ولوّح بتعيين رئيس للإقليم ورئيس للحكومة ووزراء في مناطق نفوذ حزبه إذا مضى الديمقراطي الكوردستاني في تعيينات مماثلة في أربيل. وحتى 7 تشرين الثاني، بدأ الاتحاد الوطني التحضير لتنفيذ الانسحاب، فيما ظل تشكيل سلطة موازية تهديدًا مشروطًا بخطوات الطرف الآخر.
قبل تصريح بافل طالباني بيوم، انعقد برلمان الإقليم بحضور 52 نائبًا من أصل 100، وانتخب ڤالا فريد، القيادية في الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي)، رئيسةً له، وسط مقاطعة الاتحاد الوطني والجيل الجديد وأحزاب أخرى، وجاء انتخابها على خلاف ما نقلته التقارير عن تفاهم سابق بين الحزبين يقضي بإسناد رئاسة البرلمان إلى الاتحاد الوطني الكوردستاني. وقبل ذلك بأسابيع، كان طالباني يقول إن الخلافات المتبقية محدودة، وإن تشكيل الحكومة ممكن خلال أربع وعشرين ساعة إذا توافرت الإرادة. ولعل انتخاب مرشحة البارتي لهذا المنصب كان نقطة التحوّل التي دفعت طالباني إلى قطع مسار الحوار، ورفض مخرجات الجلسة، وإعلان انسحاب حزبه من الحكومة القائمة. فمن وجهة نظر الاتحاد الوطني، كان انتخابها مؤشرًا إلى أن الديمقراطي قد يمضي في حسم بقية المناصب بالطريقة نفسها. أما اتهام طالباني خصومه بشراء أصوات نواب أو تهديدهم، فلم يظهر في المصادر المنشورة ما يثبته بصورة مستقلة.
يراهن الديمقراطي على أن تصدّره انتخابات تشرين الأول 2024، بحصوله على 39 مقعدًا مقابل 23 للاتحاد الوطني، يمنحه موقع المبادرة، وأن ربط انعقاد البرلمان باتفاق مسبق على المناصب يُبقي المؤسسة معطّلة بقرار حزبي. وفي المقابل، عزّز تفاهم الاتحاد الوطني مع حركة الجيل الجديد موقفه التفاوضي، إذ يبلغ مجموع مقاعدهما 38. وبإعلان الانسحاب، يحاول طالباني رفع كلفة انتخاب رئيس للإقليم وتشكيل حكومة من دون اتفاق معه. فالأغلبية التي تستطيع تأمين النصاب لجلسة قد تعجز عن ضمان تنفيذ قرارات الحكومة في جميع المحافظات إذا انسحب أحد الحزبين الرئيسيين من مؤسساتها
ويتجاوز أثر الأزمة حدود الإقليم الفيدرالي. فالقوى الكوردستانية في الأجزاء الأخرى تتأثر بما يجري فيه وبما ستؤول إليه مؤسساته. ويتابع الكورد، في كوردستان والمهجر، تطوّره السياسي والاقتصادي ونموّه في مختلف المجالات، لأنهم يرون فيه نواةً يمكن البناء عليها في مشروع كوردستان. وكلما تقدّم الإقليم في بناء مؤسسات مشتركة، اتّسع أثر تجربته. وإذا تراجع إلى إدارتين حزبيتين، اهتزّ الأمل الذي يعلّقه عليه الكورد خارج حدوده أيضًا.
وتملك بغداد الأداة الأكثر تأثيرًا في مسار الأزمة، وهي الموازنة والرواتب. ففي 3 تشرين الثاني، تعهّد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خلال لقائه كتلة الديمقراطي الكوردستاني في بغداد، بضمان رواتب موظفي الإقليم. وإذا طال الانسحاب، سيصبح السؤال عمّن يتفاوض باسم الإقليم على الرواتب والإيرادات جزءًا من الصراع نفسه. وقد يحقق التفاوض المنفصل مكسبًا آنيًا لأربيل أو للسليمانية، لكنه يمنح بغداد قدرةً أكبر على تحديد شروطها ويُضعف موقف الإقليم المشترك
أما تركيا، فلديها أدوات تأثير عبر التجارة والنفط والعبور، فضلًا عن الملف الأمني. وقد أظهرت قيود الطيران التي فرضتها على السليمانية ابتداءً من 2023، وبرّرتها آنذاك بمخاوف تتعلق بنشاط حزب العمال الكوردستاني، كيف يمكن أن يتحوّل الخلاف الأمني إلى ضغط اقتصادي على محافظة بعينها. ولأنقرة مصلحة في وجود شريك يستطيع تنفيذ التفاهمات التجارية والأمنية، فيما يتيح لها استمرار الانقسام التفاوض مع كل طرف على حدة. ويمكن لإيران بدورها أن توظّف علاقاتها مع السليمانية ونفوذها في بغداد للتأثير في شروط أي تسوية، خصوصًا إذا تراجعت قدرة الإقليم على اتخاذ قرار أمني موحّد.
وفي واشنطن، ظهر موقف علني من الأزمة حتى 7 تشرين الثاني، من دون إعلان وساطة مباشرة جديدة. فقد دعا متحدث باسم الخارجية الأمريكية الأطراف إلى العمل سريعًا وبصورة بنّاءة لتقوية مؤسسات الإقليم، وأكّد أن إقليم كوردستان قويًا وقادرًا على الصمود يشكّل ركيزة في العلاقة الأمريكية مع العراق. ولم يُعلن في هذا الموقف عن مبعوث أو اجتماع برعاية أمريكية أو صيغة تسوية بين الحزبين. وهذا يترك احتمال الاتصالات الدبلوماسية قائمًا، من دون أساس للقول إن واشنطن تولّت بالفعل إدارة مفاوضات جديدة.
وللوساطة الأمريكية سابقة مباشرة في اجتماعات واشنطن في 17 أيلول 1998، بين السيد مسعود بارزاني والمرحوم مام جلال طالباني، برعاية وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت. كما قالت المسؤولة الأمريكية السابقة فيكتوريا تايلور إنها أجرت محادثات واسعة مع الطرفين بعد انتخابات 2024، وإن إدارة ترامب أقل استعدادًا لأداء دور الوسيط. وهذا تقديرها بوصفها مسؤولة سابقة. وفي تقديري، يزداد احتمال انخراط واشنطن إذا اقترب الخلاف من انقسام أمني أو تعطيل فعلي لمؤسسات الإقليم، لأن كلفة الأزمة عندئذٍ ستتجاوز تشكيل الحكومة إلى قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع شريك مؤسسي في العراق.
في المدى القريب، يبدو الانسحاب الإداري التدريجي مع استمرار الاتصالات السياسية السيناريو الأقرب. فقد بدأ الاتحاد الوطني بحث تنفيذ قرار الانسحاب، فيما أفاد مسؤول في الديمقراطي باستمرار الاتصالات مع الاتحاد وأطراف أخرى. أما المسار الأخطر فيبدأ إذا مضت أربيل في انتخاب رئيس للإقليم وتشكيل حكومة بلا تفاهم، وردّت السليمانية بتعيينات فعلية وترتيبات مستقلة للمال والأمن. عندها ينتقل النزاع من الخلاف على تشكيل الحكومة إلى التنازع على السلطة التي تدير الإقليم وتمثّله.
وقد يترسّخ الانقسام قبل أن يعلن أي طرف حكومةً موازية. يكفي أن تتفاوض أربيل والسليمانية مع بغداد كلٌّ على حدة، وأن تتلقى الأجهزة الأمنية توجيهاتها من قيادات حزبية، حتى تفقد حكومة الإقليم قدرتها على التصرّف باسم محافظاته جميعًا. ولهذا تُقاس أي تسوية بقدرتها على إعادة توحيد القرار المالي والأمني وضمان عمل البرلمان والحكومة في عموم الإقليم. فإذا اقتصر الاتفاق على توزيع المناصب، سيعود الخلاف عند أول اختبار للرواتب أو الصلاحيات.
ونأمل، شأننا شأن أبناء شعبنا الكوردي، أن تُحلّ هذه الخلافات في الأروقة السياسية، وأن تعلو مصلحة كوردستان على المصالح الحزبية. ومن الطبيعي أن يستمرّ الاختلاف داخل المؤسسات، حيث تمارس الحكومة صلاحياتها وتراقب المعارضة أداءها وتحاسبها وتقدّم البدائل. وبهذه الممارسة الديمقراطية يتطوّر العمل السياسي والإداري، وتتنافس الأحزاب على خدمة الإقليم في إطار مؤسسات موحّدة.
د. محمود عباس



إرسال التعليق