الزوراء في مهب الريح…مؤامرة غرفة الملابس, أم خطيئة الإدارة, ام مصائب الرابطة؟
الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي
حين يرتجف «الملعب» وتحتجب شمس النوارس في عقر دارها، لا تعود الهزيمة مجرد كبوتة عابرة في طريق طويل، بل تتحول إلى فاجعة كروية توقظ أوجاع العشاق, وتفتح باب الأسئلة الحارقة على مصراعيه. أن يسقط نادي الزوراء صاحب التاريخ العريق، والقميص المدجج بالبطولات والألقاب، على ملعبه وأمام جماهيره العريضة قدامى ومحدثين، أمام فريق صاعد حديثاً, وبأبجديات كروية متواضعة مثل «الجولان»، فهذا ليس مجرد تعثر تكتيكي.. إنه إعلان صارخ بأن البيت الأبيض يعاني من تصدعات بنيوية عميقة تكاد تهدم الجدران على من فيها.
وهنا.. يضعنا الشارع الرياضي وجماهير النوارس أمام تساؤلات تكتوي بنيران الغضب والحرقة: هل نحن أمام مؤامرة خفية يحيكها نجوم الفريق للإطاحة برأس الجهاز الفني؟ هل الإدارة التي أغدقت المليارات وعقود الميركاتو هي العلة الأساسية والجرثومة التي تنخر في جسد النادي؟ وما الذي يحتاجه الزوراء حقاً ويعود طائراً أبيض يعانق المجد؟
· أزمة الثقة.. هل هي مؤامرة النجوم ضد المدرب؟
في عالم المستديرة، حين يعجز النجم الكبير الذي يتقاضى عقداً باهظاً عن الركض، أو يتعمد إهداء الكرة للمنافس ببرود غريب، او يتحجج بالاصابة! تتوجه أصابع الاتهام فوراً نحو غرفة الملابس.. ان الحديث عن مؤامرة يقودها بعض اللاعبين (النجوم) ضد الطاقم التدريبي ليس وليد اللحظة؛ فالتاريخ القريب والبعيد يخبرنا أن الغرور أحياناً يطغى على الانتماء للقميص.
لكن قراءة المشهد الفني بعين الخبير تكشف لنا معضلة أعمق: الفجوة بين عقلية اللاعب الذي جاء مقابل المال وبين عراقة الشعار. حين يفقد اللاعب شعور المسؤولية التاريخية لنادي الزوراء، وعندها يتحول الملعب إلى مسرح لعب هزلي، وتصبح إقالة المدربين هواية متبعة للتغطية على تواضع الأداء الفردي.
إن لم تكن مؤامرة بالمعنى الجنائي، فهي بلا شك عصيان فني صامت, وتخاذل متعمد, يعكس أزمة أخلاق مهنية داخل المستطيل الأخضر.
· خزائن مفتوحة ومليارات مهدرة.. هل الإدارة هي العلة؟
“الزوراء صرف مليارات.. هل الإدارة هي العلة؟”.. هذا هو السؤال الذي يحرق ألسنة المجالس البغدادية والمدرجات.
ان الإدارة الحالية لزمت عروة المال السائب، فأنفقت المليارات في سوق الانتقالات لجلّب أسماء براقة، لكنها افتقرت تماماً إلى الفكر الإداري الرياضي المؤسساتي. فان التعاقد مع لاعبين بلا هوية فنية حقيقية، وجلب محترفين من درجات دنيا لا يفرقون بين الكرة العادية وقنبلة موقوتة، وتحويل النادي إلى شركة استثمارية عشوائية تخلو من الرقابة والمحاسبة.. كلها أدلة تثبت أن الإدارة هي رأس الرمح في هذه المأساة.
المال وحده لا يصنع الألقاب إن لم يُدار بحكمة تخطيطية وعين فاحصة تدرك قيمة الشعار الذي تحمله الصدور. حين تتحول الإدارة إلى مجرد ممول يبحث عن (البروباجندا الإعلامية) دون بناء استراتيجي، تكون النتيجة الطبيعية هي السقوط المدوي أمام أندية تبني نفسها بالصبر والعرق مثل الجولان.
· ما الذي يحتاجه الزوراء حقاً؟
لكي لا تتحول الفاجعة إلى قاعدة، ولكي يبقى الزوراء ذلك السور العالي في كرة القدم العراقية، فإن النوارس بحاجة إلى عملية جراحية عاجلة لا تحتمل التسويف أو المجاملات:
اولا: تطهير غرفة الملابس: وغربلة شاملة للتشكيلة وإبعاد كل من تسول له نفسه التلاعب بمشاعر الجماهير أو التخاذل تحت غطاء النجومية المزعومة، والاعتماد على دماء شبابية طموحة تقدس اسم الزوراء.
ثانيا: غربلة إدارية ومحاسبة مالية: إعادة هيكلة الإدارة ووضع أهل الاختصاص في لجان كرة القدم، وإخضاع العقود والتعاقدات المالية لرقابة صارمة تضمن عدم إهدار المال العام للنادي.
ثالثا: إعادة الاعتبار للهوية الكروية: والتعاقد مع مدرب ذو شخصية فولاذية, وفكر تكتيكي حديث, يعيد الانضباط التكتيكي والقتالية في الملعب، ويغرس في نفوس اللاعبين قيمة ارتداء القميص الأبيض التاريخي.
رابعا: استعادة دور المدرج: وكسر حاجز الجفاء بين الإدارة والجماهير الواعية (أصحاب الفضل الأول)، وجعل صوت الشارع الزورائي رقيباً حقيقياً على مسار النادي.
خامسا: حل رابطة الجماهير ومنع قياداتها من دخول الملاعب لا تقل عن عشر سنوات, لانها احد علل الفساد والهزائم.
· ختاما
إن الزوراء ليس مجرد نادٍ لكرة القدم.. إنه جزء من الذاكرة البغدادية الجماعية، وحين يسقط هكذا، تشعر المدينة بأن أحد أعمدتها قد مالت. لكن التاريخ علّمنا أن النوارس لا تموت، بل تنهض دائماً من تحت ركام الرماد أشد قوة وأكثر بياضاً.



إرسال التعليق