آه يا مارسيل.. لقد أوجعت قلبي الطاهر والعاري إلا من الحنين!

كريمة حسناوي

“تتوسد طيفك حين يجن الليل، فيأتينا صوتك كأنه رعد بعيد، يغسل عن الروح تراب الاغتراب ومرارة الأيام..”

آه يا مارسيل.. لقد أوجعت قلبي! أوجعته بذلك العشق المرصع بالشوك، وبأوتار عودك التي لا تضرب النغم بل تنبش في جثث الذاكرة، وتبعث فينا أشواقاً كنا نظن أننا دفناها طاعةً لعقل العصر وبراغماتيته القاسية.

حين يمر صوتك عبر مسام الليل، متسللاً من زوايا الغرفة الضيقة ليملأ الكون اتساعاً وحزناً، تتساقط كل دفاعاتنا البائسة. نحن الذين نرتدي دروع الصلابة طوال النهار لنواجه بها فواتير المعيشة وعبث العالم، نتحول إلى كائنات زجاجية هشة بمجرد أن تنشد: “ريتا وبندقيتها”، أو تترنم باسم الشهداء، أو تعزف على حواف الوجع الفلسطيني والعربي مقطوعة لا تنتهي.

أولاً: جرح العود.. حين يكون الموسيقار طبيباً وجراحاً

مارسيل.. ليس مجرد فنان يغني للشعر أو يطرب الأذن. إنه جراح ماهر يدخل إلى صدرك بلا استئذان، يمسك بقلبك المرتجف، ويفرز منه كل هذا الكم الهائل من الحنين والبكاء المكبوت. عودك ليس خشباً وأوتاراً، بل هو ضلوعنا المخلوعة، ونبضنا المسجون في قفص الأيام.

حين تقف على المسرح، شامخاً كأرزة لبنانية ترفض الانحناء للريح، تبدو وكأنك تحمل على كتفيك تاريخاً كاملاً من الهزائم الكبرى والانتصارات الوهمية. تجعلنا نبكي بلا ش਼رم، ونحب بلا شروط، ونشتاق لأوطان لم نزرها، ولأحبة لم نلتقِ بهم، ولأزمنة نقية لم نعشها أصلاً. أنت تسرق منا سلامنا الكاذب، وتعيدنا عراةً أمام أنفسنا.. صادقين، موجعين، ومليئين بالحب حتى الثمالة.

ثانياً: شاي المطر وبيروت المكسورة.. أغانٍ لا تموت

كيف استطعت يا مارسيل أن تحفر في وجدان جيل بأكمله حتى أصبح صوتك هو الملاذ الوحيد حين يشتد بنا الضيق؟

  • في صوتك نبتل برائحة التراب والمطر في قرى الجنوب المنسية.
  • في نغماتك نسافر نحو بيروت المكسورة التي تولد كل يوم من رمادها كأنه الفينيق.
  • ومع همهماتك، نلتقي بمحمود درويش وهو يخط على جدار الزمن: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

لقد علمتنا كيف يكون الفن مقاومة، وكيف تصبح الأغنية رصاصة طرية في وجه البؤس والقبح والنسيان. لكن هذه الرسالة النبيلة ثقيلة، ومن يحملها على أوتاره لا بد أن ينزف طرباً وألماً، وهذا בדיוק ما تفعله بنا.. تجعلنا ننزل إلى معبد الحنين لنبكي على ما فات، وعلى ما لم يأتِ بعد.

ختاماً

آه يا مارسيل.. لقد أوجعت قلبي، لكنني أقسم أنني ما وجدت وجعاً أطهر ولا أنقى من هذا الوجع الذي تسكبه في صدورنا. شكراً لأنك تذكرنا دائماً بأننا بشر، وأن في أجسادنا قلوباً تنبض بالحب والحرية وسط عالم يريد منا أن نتحول إلى آلات صماء. عُزْفُكَ عذابٌ جميل، وصوتك وطنٌ بديل لمن لا وطن له، فامضِ في طريقك، ولا ترحمنا من هذا العذاب العذب.. فطوبى لمن أوجع مارسيل خليفة قلوبهم!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك