اخر الاخبار

مدير المخابرات المجرم القاتل .. مهندس الأشباح الذي ابتلعته الظلمة

عوض أنور

إيسر هارئيل، المعروف بـ “إيسر الصغير” لقصر قامته، يُعد أحد أعتى وأغرب العقول الاستخباراتية في القرن العشرين. لم يكن الرجل مجرد ضابط عادي، بل كان المعمار الفعلي الذي شيد جهاز “الموساد” من اللاشيء، ممسكاً بملفات الأمن الداخلي والخارجي معاً في يده، ومحولاً الجهاز إلى أسطورة مخيفة تحوك خيوطها في الخفاء!

ولكن، بعيداً عن روايات البطولات التلفزيونية البراقة، تقبع كواليس مظلمة تعج بالهوس المرضي بالرقابة، وعمليات الخطف المتجاوزة لكل الحدود، والسقوط المدوّي إثر صراع الأشباح المستعر.

1. إمبراطورية الشك: هوس الرقابة وملفات نقاط الضعف

لم يكن هارئيل يثق بأحد على الإطلاق؛ إذ أسس نظام رقابة متغولاً وشاملاً لم يستثنِ حتى قيادات دولته ونظرائه في الحكومة.

  • الأرشيف السري: احتفظ في مكتبه بخزائن وأرشيف مغلق يحوي ملفات شخصية حادة ودقيقة عن الوزراء، الدبلوماسيين، والشخصيات العامة.
  • تعرية الجميع: كان يؤمن بعقيدة مريضة مفادها أن حماية الدولة تقتضي تعرية الجميع والاحتفاظ بخرائط نقاط ضعفهم لاستخدامها وقت الحاجة والابتزاز السياسي.

2. عملية بوينس آيرس: خطف أدولف آيخمان

تولى هارئيل بنفسه وبشكل مباشر إدارة عملية خطف القيادي النازي البارز أدولف آيخمان من قلب العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس عام 1960، حيث قاد الفريق الميداني بنفسه من شقة سرية.

تمثلت الخديعة الاستخباراتية في تخدير آيخمان كلياً، وإلباسه زي طيار تابع لشركة الطيران الرسمية الإسرائيلية، وتهريبه عبر المطار كأحد أفراد الطاقم المصابين بدوار أو إغماء، متجاوزين السيادة الدولية والقوانين بث الصلف الاستخباراتي.

3. حرب الأظرف الملغومة: هوس العلماء الألمان

في بداية الستينيات، أصاب هارئيل هوس حاد وجنون تعقب تجاه العلماء الألمان الذين كانوا يعملون على تطوير برنامج الصواريخ المصري آنذاك.

قاد الرجل حملة اغتيالات وحشية ورسائل ملغومة صامتة استهدفت العلماء وعائلاتهم العزل في قلب العواصم الأوروبية، محولاً صراع المكاتب السرية إلى ساحة تصفيات دمويّة مفتوحة أربكت العلاقات الدبلوماسية مع الدول الغربية وحرجت تل أبيب دولياً.

4. السقوط والنهاية: صراع الأشباح والانسحاب في الظل

اندلع صدام حاد ومباشر بين هارئيل ورئيس الوزراء آنذاك ديفيد بن غوريون، بسبب إصرار هارئيل الجنوني على مواصلة عمليات التصفية والمغامرات الاستخباراتية الطائشة ضد أهداف أوروبية دون حساب للعواقب السياسية.

انتهى هذا الصدام بتقديم استقالته المفاجئة عام 1963، ليخرج “صانع الأشباح” من جدران الجهاز الذي هندسه، ليقضي بقية حياته في انزواء تام، معزولاً عن الكواليس التي صنعها بنفسه، حتى رحل صامتاً عام 2003.

خاتمة

لم يكن إيسر هارئيل مجرد مدير جهاز أمني عادي، بل كان النقطة الحرجة لتشكل عقيدة التكتم والاغتيال الممنهج في المنطقة. رجلٌ بنى إمبراطورية من الظلال والأظرف الملغومة، ليبقى اسمه شاهداً تاريخياً دامغاً على أن صانعي الأشباح والمجرمين في كواليس الاستخبارات غالباً ما تنتهي رحلتهم بالابتلاع الكامل داخل الظلمة ذاتها!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك