عبد الرحمان «بيشو»… غائب عن العين، حاضر في الذاكرة
رشيد مصباح (فوزي)
عبد الرحمان «بيشو» حاضر في ذاكرتنا، وإن غاب عن أعيننا. لم يكن غيابه بإرادته، فقد غيّبه المرض وربما أقعده، وهو الذي لم يبخل يومًا بزيارة مداوروش، مسقط رأسه، كلما سنحت له الفرصة.
كلما استحضرتُ صورته، تذكّرت ذلك الشاب الذي كان يردّد ألحان الحرية، ويحلم بها، ويعيش متفائلًا، محبًّا للحياة، بشوش الوجه، خفيف الظل، وكأن الفرح كان جزءًا من طبيعته.
كان عبد الرحمان يحمل من سي مختار الشهامة والمروءة، ومن والدته الكريمة وجهًا آخر لا يعرفه إلّـا المقرّبون منه؛ وجه المحبة والعطف والحنان. ولعل في شخصيته شيئًا من الاثنين، فاجتمعت فيه المروءة وطيبة القلب.
تعود بي الذاكرة إلى أيام الثانوية، وإلى تلك الأماسي الرائعة التي قضيناها معًا تحت سقف المستودع المهلهل، حيث كانت تغمرنا نشوة الحب وروح الشباب، وتلك المشاعر الجميلة التي لا يدرك قيمتها المرء إلّـا بعد أن تمضي السنوات.
أتذكّر ضحكاتنا، وأحاديثنا، والأماكن التي كانت تجمعنا، وأتذكّر أيضًا تنقّلاتنا بسيارتك إلى تلك المواقع التي ارتبطت في ذاكرتنا بأيام البراءة وعنفوان الشباب. كانت الحياة أبسط، وكانت سعادتنا تصنعها أشياء صغيرة، لكنها بقيت كبيرة في نفوسنا.
لقد طال غيابك يا «بيشو»، وثقل الزمن، ولم نعد نراك كما اعتدنا. وكم أتمنى أن تعود إلينا، وأن نراك من جديد تتجوّل في شوارع مداوروش ونتبادل أخبار سدراتة، وتستعيد معنا بعضًا من تلك الأيام التي لا تزال حاضرة في وجداننا.
ونحن على أبواب الشتاء، لا يسعني إلّـا أن أتذكّر تلك الأيام التي كان الثلج فيها يغمر مداوروش العتيقة، ونحن نتقاذف كراته في فرح لا يشبهه شيء. كانت أيّامًا جميلة، وربما لم نكن ندرك حينها أننا نعيش ذكريات سنشتاق إليها بهذا القدر.
لهذا اخترت لك أغنية( Demis Roussos – We Shall Dance -1971)، ذلك الصوت الذي لطالما أحببتَه، وكانت ألحانه تسعدك وتطربك. أردتُ أن أستعيد معك شيئًا من تلك اللحظات، وأن أبعث إليك بتحيّة تحمل بعضًا من دفء الماضي.
يا عبد الرحمان، لا أريد أن أستسلم لصورة المرض والغياب، بل أفضّل أن أتذكّرك كما عرفتُك: بشوشًا، مرحًا، محبًّا للحياة، لا تفارقك الرغبة في الفرح.
على أمل أن نراك تنهض من جديد، وتعود إلينا، بل وترقص كما عوّدتنا دائمًا.
صديقك الذي لم ينسَ أيامكم الجميلة.



إرسال التعليق