أنهلكُ وفينا الصَّالحون؟!

سعد أحمد الكبيسي

الأحاديثُ النبويّة لا تُروى لتُحكى، بل لتُوقِظ! تأتي كجرسٍ يُقرَع في بيتٍ نام أهلُه مطمئنّين، فتُذكّرهم أنّ الشرّ لا يدخل دفعةً واحدة، بل يتسرّب كشقٍّ صغيرٍ في جدار، إذا تُرِك اتّسع.

روى الشيخان عن أمّ المؤمنين زينبَ بنتِ جحشٍ رضي الله عنها أنّ النبيّ ﷺ دخل عليها فَزِعًا يقول: «لا إله إلا الله! ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب؛ فُتِح اليومَ من رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه»، وحلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها. قالت: فقلتُ: يا رسول الله، أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثُر الخَبَث».

تأمّلوا الفزع! لم يكن من سدٍّ انهار، بل من فتحةٍ بحجم إصبعين! فالأممُ لا تسقط فجأة، إنما تتآكل حين يعتاد الناسُ الشقوقَ الصغيرة.

والخَبَثُ حين يكثر لا يبقى ذنبًا هنا وهناك، بل يصير هواءً فاسدًا نتنفّسه جميعًا؛ يصير فيه المنكرُ مألوفًا، والسكوتُ ثقافة. فالنجاةُ ليست بطاقةً شخصيّة يحملها كلُّ واحدٍ في جيبه، بل سفينةٌ يركبها الجميع!

نعم، نهلك وفينا الصالحون إذا عُيِّرت المنقّبةُ بنقابها، وصار سترُها تهمةً وتبرّجُ غيرها حرية!

ونهلك وفينا الصالحون إذا عقّ الرجلُ أمَّه وأباه، وأدنى زوجته وأقصاهما، فصار البيتُ الذي ربّاه أبعدَ عنه من بيوت الغرباء!

ونهلك وفينا الصالحون إذا صار المالُ ميزانَ الرجال، فلا يُسأل أحدٌ: من أين لك هذا؟ بل: كم تملك؟ وأكل الجشِعُ حقَّ اليتيم والجار وهو يحسب نفسه ذكيًّا!

ونهلك وفينا الصالحون إذا اختلط الرجالُ بالنساء بلا حدٍّ ولا حياء، وسُمّي ذلك انفتاحًا!

ونهلك وفينا الصالحون إذا تسيّب الموظفُ في عمله، والطالبُ في درسه، والمسؤولُ في أمانته، وكلٌّ يقول: ليس الأمرُ عليّ!

ونهلك وفينا الصالحون إذا ترك الآباءُ أبناءهم للشاشات والشوارع، ثم بكَوا عليهم يوم ضاعوا!

فكونوا حاجزًا صغيرًا في وجه سيلٍ كبير؛ أنكِروا المنكر، وأحيُوا المعروف، ولا تعتزلوا الفساد وتحسبوا ذلك نجاة. فاللهُ لا يسألك: هل أوقفتَ الموج؟ بل يسألك: هل وقفتَ في وجهه؟!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك