لقد هرمنا و هرم الهرم منا

زهية درويش

حين نمرّ في الشوارع، أو نتأمل الوجوه العابرة في زحام الحياة، غالباً ما نقع في فخ المظهر الخادع؛ فنظن أن العمر يُقاس بعدد السنوات المحفورة على حواف الجبين، أو بتعب الجسد الذي أنهكته مشقات الأيام. نربط دائماً بين الشيخوخة ومسير الزمن، متخيلين أن السنوات الكفيلة بإسقاط أوراق الشجر هي وحدها المسؤولة عن انحناء الظهور وانطفاء البريق في العيون.

لكن نظرة أعمق، تتجاوز السطح وتنفذ إلى دواخل البشر، تكشف لنا مفارقة مذهلة وموجعة في آنٍ واحد: انظر حولك وتأمل؛ ستجد شباباً في مقتبل العصور بأرواح عجوز أنهكتها الحمولات الزائدة، وتجد شيوخاً تخفق قلوبهم بخفة الأطفال لأنهم أتقنوا فنّ الغفران والنسيان.

كيف لفتى في العشرين من عمره أن يحمل على كاهله إرثاً ثقيلاً من خيبات العالم، ويبدو كمن عبر حروباً طاحنة أطفأت شغفه وألجمت دهشته؟ وكيف لرجل طاعن في السن، خطّ الزمن على وجهه ألف تجعيدة وتجعيدة، أن يبتسم للحياة ببراءة طفل يكتشف لونه المفضل للمرة الأولى؟

السر لا يكمن في تقويم الزمان، بل في وزن الأحمال. الشباب الحقيقي ليس مرحلة عمرية نمر بها ثم نودعها، بل هو حالة نقاء وخفة روح ترفض أن تستعبدها ترسبات الماضي. أما “الشيخوخة المبكرة” فهي مرض صامت يصيب الأرواح التي ترفض أن تفلت شيئاً؛ الأرواح التي تحتفظ بكل صفعة تلقتها، وكل خذلان تعرضت له، وكل كلمة جارحة أُلقيت في وجهها منذ سنوات، لتعيد اجترارها كل ليلة كمن يحرس قبراً قديماً.

إن الأرواح لا تنطفئ بمرور الأيام، بل تنطفئ حين تتحول إلى متاحف مهجورة لكل ما ألمّ بها من أوجاع ومواقف لم تستطع إفلاتها.

حين تجعل من صدرك مستودعاً لكل ما أخفق معك، وحين تُبقي أبوابك مفتوحة على مصراعيها لتيارات الندم والمرارة، فإنك لا محالة ستتحجر من الداخل، وتفقد القدرة على التجدد. الحياة لا تُرهقنا بصعوباتها الظاهرة بقدر ما تُرهقنا بقدرتنا المبالغ فيها على الاحتفاظ بكل ما هو مؤلم.

لذا، ربما حان الوقت لنراجع محتويات أرواحنا؛ ألا نخشى تجاعيد الوجه بقدر ما نخشى تجاعيد الداخل. أن نتعلم كيف نغفر لنطهر صدورنا، وكيف ننسى لنخفّ، لعلنا ندرك أن سعادة العمر تكمن في أن نمشي خفافاً، بقلوب تشبه الأطفال.. وإن أثقلتنا سُنون المسير.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك