البيضة الذهبية: حين يقتلك الشغف بالثراء السريع
البيضة الذهبية: حين يقتلك الشغف بالثراء السريع
شريط ذهبية
في أطراف قرية هادئة تعانق التلال الساحرة، كان يعيش فلاح بسيط يُدعى “صالح” وزوجته “مرام”. كان صالح رجلاً يقنع بقليل من الرزق، يعمل في أرضه الصغيرة من الفجر حتى الغروب، ويحمد الله على رغيف الخبز وقليل من اللبن الدافيء الذي يسد بهما رمقه هو وزوجته. لكن الشتاء كان أحياناً يقسو عليهما، فتتراكم الديون ويقل المأكل، وتبدأ الحيرة تتسرب إلى قلبهما حول غدهما المجهول.
وفي أحد أيام الربيع، وبينما كان صالح يتفقد الخم الصغير في خلفية الدار، لفت انتباهه بريق عجيب يتسلل من بين القش المتناثر. اقترب بخطوات حذرة، وأزاح الهشيم برفق، ليجد تحت إوزة بيضاء ناصعة البياض بيضةً غريبة الثقل، يلمع سطحها كالشمس الشرقية. رفعها بيده المرتجفة وتفحصها، فلم يستوعب عقله ما تراه عيناه.. إنها بيضة من الذهب الخالص!
ركض صالح بكل قوته نحو البيت، وهو يصيح بصوت مشدوه: “يا مرام! تعالي وانظري ما أكرمني الله به!”. دُهشت الزوجة وظنت في البداية أنها حيلة أو لعبة طفل، لكنهما حين ذهبا إلى الصائغ في السوق الكبير بوسط المدينة، وقاس وزنها بالمعيار، دفع لهما ثروة لم يحلم بها صالح طوال حياته. عادت الحياة تدب في البيت الصغير، واشترى الفلاح ما يحتاجه وزوجته، وشكرا الله على هذه النعمة المفاجئة.
ولم تكن تلك البيضة مجرد صدقة من القدر لمرة واحدة؛ ففي صباح اليوم التالي، وتحديداً مع أول شعاع للشمس، ذهب صالح إلى الخم من جديد، فإذا بالإوزة ذاتها تضع بيضة ذهبية أخرى بوزن وشكل الأولى تماماً! وتكرر الأمر في اليوم الثالث، والرابع، والسبع الذي تلاه. أصابت الدهشة أهل البيت، وأصبحت الإوزة كنزاً يومياً يضمن لهما رغداً وسعادة وتأميناً شاملاً للمستقبل.
بدأت الأحوال تتغير؛ ارتدى صالح أفضل الثياب، وبنى بيتاً أوسع، وأصبح مقصداً للناس يستدينون منه ويكرمهم. لكن مع مرور الأشهر، وتراكم الذهب في الخزائن الصخرية أسفل المنزل، بدأ شيء آخر يتغير داخل عقله وقلبه. لم تعد البيضة اليومية تشبع رغبته المتزايدة؛ بدأ الطمع يتسلل إلى فكره بهدوء كالسم في الدسم.
صار صالح يجلس بالليالي أمام حديقته، ينظر إلى الذهب ويقول في نفسه: “بيضة واحدة كل يوم؟ هذا بطء شديد! هذه الإوزة تحوي في جوفها يقيناً جبل من الذهب الصافي. لماذا أنتظر يوماً بعد يوم، وأنا أستطيع أن أفتح بطنها وأستخرج الكنز دفعة واحدة، فأصبح أثرى أثرياء هذه البلاد في لحظة؟”.
حاولت زوجته مرام الحكيمة أن تهدئ من جنونه، وقالت له تحذره: “يا صالح، القناعة كنز لا يفنى، وهذا الرزق المستمر بحديث السعادة أحسن من المغامرة بالنعمة. الإوزة حيوان مسكين يُعطينا بيضة كل صباح، فلا تبدّد نعمة الله عليك بالطمع والعجلة”. لكن صوت الطمع داخل صالح كان أشد صخباً من صوت العقل والحكمة.
وفي ليلة ظلماء، لم يستطع صالح أن ينام. استبد به الشغف والوسواس، فقام من فراشه بخطوات ثقيلة، وأمسك بسكين حادة وذهب إلى الخم. كانت الإوزة قائمة في زاوية المكان هادئة ومطمئنة، تحلم بصباخ جديد تضع فيه هديتها الذهبية. لم يمنحها صالح فرصة للتنفس؛ بل هجم عليها بجشعه وشق بطنها بلمحة عين!
وقف صالح والدموع والأطماع تتصارعان في عينيه، ويبحث بيده المرتجفة في أحشاء الطائر عن جبل الذهب والكنز المخبأ.. ولكن كانت الصدمة القاتلة!
لم يجد صالح داخل الإوزة سوى ما يوجد داخل أي إوزة عادية في هذا العالم. لا ذهب، ولا بريق، ولا كنز! مجرد لحم ودم وطائر ميت لا يحمل في أحشائه أي أسرار خارقة. سقطت السكين من يده، وجلس على الأرض والتراب يغطي ثيابه، يستوعب حجم الكارثة التي صنعها بيديه.
لقد قتل الإوزة التي كانت تمنحه الحياة الرغيدة، وخسر البيضة الذهبية اليومية التي كانت تؤمن مستقبله ومستقبل بيته. جلس يبكي بدل الدموع دماً، متذكراً كلمات زوجته والدروس التي تناساها: أن العجلة والطمع هما المقبرة الحقيقية للنعم، وأن من لم يقنع بالقليل المستمر، خسر الكثير ووقف نادماً حيث لا ينفع الندم.



إرسال التعليق