لقد قررت أن أكون حماراً!
الدكتور عزام مالك
بعد سنوات طويلة من استهلاك ما تبقى من خلايا المخ في محاولة فهم خطط التنمية المستدامة، وقراءة التحليلات السياسية لخبراء الفضائيات، ومحاولة فك شفرات فواتير المياه والكهرباء، وصلت إلى قناعة فلسفية لا تقبل الشك: العقل البشري هو أكبر مقلب ورطنا فيه التاريخ.
لذا، وبعد استخارة طويلة وتفكير عميق، اتخذت قراري النهائي والمصيري: لقد قررت أن أكون حماراً!
أولاً: لماذا الحمار تحديداً؟ (مزايا العضوية في نادي البلادة)
لو أننا قارنا بين حياة الإنسان العاقل وحياة حمار محترم في ريف هادئ، لعرفتم حجم الظلم الذي نعيشه. الحمار لا يقرأ الصحف الصباحية التي تبشر بالحروب والزيادات الضريبية، ولا يملك هاتفاً ذكياً يزعجه بإشعارات العمل في منتصف الليل. كل ما يهمه هو حزمة برسيم طازجة، وبعض الماء، وقليل من الظل. إنه يعيش بسلام مطلِق، بينما نحن نستهلك أعصابنا في القلق على مستقبل كوكب مهدد بالانقراض. أليست البلادة هنا فضيلة كبرى؟
ثانياً: استقالة عقلية.. وداعاً للتحليل والتفكير
من اليوم، أعلن استقالتي النهائية من وظيفة “المفكر البائس”. لن أحلل بعد اليوم أسباب التضخم المالي، ولن أحاول فهم لماذا تارت أسعار البصل وتراجعت أسعار الطماطم، ولن أجهد نفسي في التفكير في استراتيجيات النجاة في هذا العالم المقلوب. سأكتفي بالنظر إلى الناس بعينين بلهاوتين واسعتين، وإطلاق نهيق خفيف كلما حاول أحدهم أن يورطني في نقاش جاد حول مستقبل الاقتصاد العالمي. صدقوني، راحة البال التي تتبع تعطيل الخلايا العقلية لا تقدر بثمن!
ثالثاً: الحصانة الدبلوماسية لعالم الحمير
أجمل ما في عالم الحمير هو الحصانة المطلقة ضد تأنيب الضمير. الحمار لا يشعر بالخزي لأنه لم يحقق أهدافه في الحياة، ولا يبكي ليلاً لأنه لم يشترِ شقة تمليك أو سيارة فارهة. إنه يمشي بخطى ثابتة، يحمل أحماله بصمت، ولا يكترث لسخرية المارة. فأن تكون حماراً في عالم يمتلئ بالمدعين والمنافقين، هو وسام شرف حقيقي يضعك فوق كل صراعات القمامة البشرية.
لذا، إن وجدتموني غداً واقفاً تحت شمس الصحراء أطأطئ رأسي بهدوء وأمضغ حشائش الأرض بلا مبالاة، فلا تحاولوا إنقاذي أو إعادتي إلى “عالم العقلاء”. أنا في أتم السعادة هنا. اتركوا لي حزمتي من البرسيم، وأغلقوا باب العقل خلفكم بإحكام!



إرسال التعليق