اخر الاخبار

داخل عقل رئيس المخابرات المصرية: كيف يفكر اللواء حسن رشاد وكيف يتخذ قراراته؟

قيس نوار السعدي

تُعد قيادة جهاز بحجم المخابرات العامة المصرية واحدة من أكثر المهام التأسيسية تعقيداً على خريطة الأمن القومي في الشرق الأوسط. وفي ظل منطقة تموج بالتحولات الجيوسياسية والأزمات المتلاحقة، يبرز السؤال الشاخص حول المنهجية الفكرية وآلية اتخاذ القرار لدى رئيس الجهاز، اللواء حسن محمود رشاد.

إن قراءة النمط الإداري والسلوكي للواء حسن رشاد—الذي تخرج في الكلية الفنية العسكرية مهندساً وعمل لعقود في أروقة الجهاز حتى ترقى لوكيله ثم رئاسته—تكشف عن نموذج قيادي هجين يمزج بين الهندسة الدقيقة والحس الاستخباري الرفيع.

أولاً: المرجعية الفكرية.. “العقل المهندس” في خدمة الاستخبارات

للم خلفية الأكاديمية والمهنية للرجل أثر بالغ في تشكيل خريطته الذهنية، حيث ينعكس انتمائه للكلية الفنية العسكرية على أسلوب تفكيره عبر عدة محاور:

  1. التحليل الهيكلي والتفكيك (Systemic Analysis): يتعامل اللواء حسن رشاد مع الأزمات السياسية والأمنية كما يتعامل المهندس مع المخططات المعقدة. فهو لا ينظر للحدث كظاهرة معزولة، بل يعيد تفكيكه إلى عناصره الأولية (المدخلات، الفاعلين، المحركات الأساسية)، تمهيداً لفهم كيفية تفاعلها وتأثيرها على الأمن القومي.
  2. التفكير المعتمد على البيانات والمؤشرات (Data-Driven Mindset): بعيداً عن الانطباعات العامة أو القراءات العاطفية، يرتكز العقل الاستخباري لرشاد على الأرقام، البيانات المتقاطعة، والمعلومات المؤكدة. يميل أسلوبه الفكري إلى تغليب الحقائق الصلبة واستخلاص النتائج عبر المقاربة التقنية والتكنولوجية المتقدمة.
  3. إدارة المخاطر وبناء السيناريوهات (Scenario Planning): تقتضي طبيعة التفكير الهندسي-الأمني عدم الاكتفاء بالحلول الأحادية؛ بل وضع سيناريوهات متعددة لكل أزمة (السيناريو الأفضل، السيناريو المحتمل، وسيناريو الخطر الأقصى)، مع تجهيز خطة استجابة سريعة لكل احتمال قبل وقوعه.

ثانياً: استراتيجية اتخاذ القرار.. كيف تُصنع القرارات الحساسة؟

في أروقة الأجهزة السيادية، لا يُعد اتخاذ القرار عملية عفوية، بل يخضع لدوائر معقدة من التمحيص والتقدير. وتتلخص آلية اتخاذ القرار لدى اللواء حسن رشاد في أربع خطوات استراتيجية:

1. التدقيق العميق وتقاطع المصادر (Cross-Verification)

قبل الاتجاه نحو أي قرار سيادي أو سياسي، يعتمد رئيس الجهاز على مبدأ تقاطع المعلومات بين مختلف الإدارات والقطاعات. يتم عرض الملف الواحدة على خلايا القراءة التقنية، والدبلوماسية، والميدانية لضمان خلو التقدير النهائي من أي تحيز أو زاوية حادة غير مرئية.

2. حساب الموازنات الشاملة (Cost-Benefit Analysis)

في الملفات الإقليمية الشائكة (مثل ملف وساطة غزة، السودان، أو أمن البحر الأحمر)، لا يُقاس القرار بنجاحه اللحظي، بل بمدى خدمته للمصالح الوطنية طويلة المدى. يُحلل رشاد التأثيرات المترتبة على القرار في مستويات متوازية: الأمني المباشر، السياسي، والاقتصادي.

3. البرجماتية المرنة والصمت الاستراتيجي

تتميز طريقة عمله بالابتعاد الشديد عن الضجيج الإعلامي والاعتماد على “دبلوماسية الغرف المغلقة”. تتصف قراراته بالبراغماتية الشديدة التي ترتكز على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف، حتى المتناقضة منها، لاستخدامها كأوراق ضغط وتفاوض عند اللحظة المناسبة.

4. الحسم والتنفيذ الهادئ

حين تكتمل المعطيات وتتضح الرؤية، تتسم خطواته بالحسم وتوقيت التنفيذ الدقيق. القرار هنا لا يكون مجرد توصية، بل يتحول إلى خطة عمل تنفيذية مجزأة على خطوات مرحلية صامتة تُحقق هدفها دون دوي إعلامي.

ثالثاً: إدارة الأزمات الإقليمية.. نموذج تطبيقي

تتضح هندسة اتخاذ القرار لديه بشكل جلي عند التعامل مع الملفات الإقليمية الملتهبة:

  • في ملف الوساطات والتهدئة: يعتمد منهج التجزيء والتقريب التدريجي؛ حيث يتم البدء بالنقاط الإنسانية أو الميدانية الممكنة لبناء الحد الأدنى من الثقة، ثم الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيداً (السياسية والأمنية).
  • في التعامل مع التهديدات المباشرة: تركز عقليته على “الردع الوقائي” القائم على جمع المعلومات المسبقة، وإحباط التهديدات في بيئتها دون الحاجة للوصول إلى مراحل التصعيد المفتوح.

خلاصة

إن نمط التفكير وآلية اتخاذ القرار لدى اللواء حسن رشاد تعكس جيل القيادات الاستخبارية الجديدة في مصر؛ وهي قيادة تعتمد على الهندسة المعلوماتية، الهدوء الصارم، والتحليل المادي العقلاني. فهو يفكر بلغة المعادلة الدقيقة، ويتخذ قراراته بعيداً عن صخب الأحداث، واضعاً حماية الأمن القومي المصري في قلب كل تقييم ومناورة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك