المرء على دين خليله… فمن يحمي أبناءنا؟
المرء على دين خليله… فمن يحمي أبناءنا؟
رشيد مصباح (فوزي)
جملة قصيرة، لا تتجاوز بضع كلمات، لكنها تختصر حقيقة تربوية واجتماعية بالغة الأهمية: «المرء على دين خليله». فالصاحب ليس مجرد رفيق نمضي معه بعض الوقت، بل قد يصبح، مع مرور الأيام، مصدرًا لأفكارنا، ومرجعًا لبعض سلوكياتنا، وشريكًا في تشكيل شخصياتنا، من حيث ندري أو لا ندري.
وقد تبدأ الحكاية بصداقة عابرة، أو بتقليد سلوك يبدو بسيطًا، ثم تتطور الأمور تدريجيًا حتى يجد المرء نفسه في طريق لم يكن يتصور يومًا أنه سيسلكه. وليس كل انحراف يبدأ بقرار كبير؛ فقد تكون بدايته كلمة، أو فضولًا، أو رغبة في تقليد الآخرين، أو محاولة لإثبات الذات داخل جماعة لا تحسن الاختيار.
من هنا، لا ينبغي أن تستهين الأسرة بتأثير الأصدقاء في أبنائها، ولا أن تنتظر حتى تظهر علامات الانحراف بوضوح، فتكتشف أن الوقت قد فات، أو أن معالجة المشكلة أصبحت أكثر صعوبة.
الأسرة… الحصن الأول، لا المتفرّج الأخير
في بعض الأسر، يقتصر دور الأولياء على توفير الطعام واللباس ومستلزمات الدراسة، مع الاعتقاد أن إرسال الأبناء إلى المدرسة وتعليمهم مبادئ الأخلاق كافيان لضمان استقامتهم.
وفي أسر أخرى، لا يبدأ القلق إلّـا عندما تتراجع النتائج الدراسية، أو يتغيّر السلوك، أو تظهر مشكلات لم تكن مألوفة من قبل. عندها يبدأ السؤال: مع من يقضي أبناؤنا أوقاتهم؟ ماذا يشاهدون؟ ما الأفكار التي يتلقّونها؟ ومن يؤثر فيهم خارج البيت؟
إن التربية ليست مجرد أوامر ونواهٍ، إنها علاقة يومية تقوم على الحوار، وعلى متابعة هادئة لا تتحول إلى تجسّس، ورقابة لا تنقلب إلى تسلّط؛ فالأب الذي يمنع ابنه من صديق سيّئ، من دون أن يشرح له أسباب المنع، قد يدفعه إلى مزيد من التعلّق بذلك الصديق في الخفاء. والأم التي لا تجد وقتًا للاستماع إلى ابنتها قد تترك فراغًا عاطفيًا يملؤه آخرون، بعضهم لا يعرف مصلحتها، وبعضهم قد يستغل حاجتها إلى الاهتمام والانتماء.
وليس المقصود أن يتحوّل الأولياء إلى حراس يراقبون كل حركة، بل أن يكونوا حاضرين بما يكفي لاكتشاف الخطر قبل أن يستفحل، وأن يجعلوا أبناءهم يشعرون بأن البيت مكان آمن للبوح وطلب المساعدة، لا محكمة تنتظر أخطاءهم لتعاقبهم.
المدرسة… ما وراء الدروس والامتحانات
ولا تقِلُّ مسؤولية المدرسة أهمية عن مسؤولية الأسرة. فالمؤسسة التربوية ليست مكانًا لتلقين المعارف وإجراء الامتحانات وتوزيع الشهادات فحسب؛ إنها فضاء تتشكّل فيه العلاقات، وتُختبر فيه القيم، و يتعلم فيه الطفل كيف يتعامل مع الاختلاف والنزاع والنجاح والفشل.
وإذا كانت المدرسة مطالبة بتعليم الأخلاق، فإن مسؤوليتها لا تكتمل من دون التصدي للتنمّر والعنف والإقصاء، وملاحظة التغيّرات المقلقة في سلوك التلاميذ، والتدخّل حين تدعو الحاجة إلى ذلك.
لكن التدخّل لا يعني العقاب في كل الحالات، ولا وصم الطفل الذي يواجه مشكلة بأنه منحرف أو فاسد. فقد يكون وراء السلوك العدواني اضطراب في التعامل مع الغضب، أو تجربة مؤلمة، أو مشكلات أسرية، أو ضغط من الأقران. وهنا يصبح التعاون بين المعلمين والأولياء والمختصّين أكثر نفعًا من الاكتفاء بالتوبيخ.
فالطفل الذي نتركه اليوم فريسة للتنمّر أو العنف أو الاستغلال قد يصبح غدًا ضحيةً أو مصدرًا للأذى، إذا لم يجد من يفهم مشكلته ويساعده على تجاوزها.
المسجد والمجتمع والدولة… مسؤولية مشتركة
أما المسجد، فله دور يتجاوز الخطاب الوعظي الذي يُلقى يوم الجمعة ثم ينتهي أثره بانتهاء الصلاة. فالإمام يستطيع أن يذكّر الأولياء بمسؤوليتهم عن أبنائهم، وأن يلفت انتباههم إلى مخاطر الصحبة السيّئة، والإدمان، والعنف، والتفكّك الأسري، وأن يدعو إلى الرّحمة والحوار وحسن القدوة.
غير أن الوعظ، مهما بلغت قوّته، لا يستطيع وحده معالجة مشكلات تحتاج إلى متابعة نفسية وتربوية واجتماعية، ولا يمكن أن يُحمّل الإمام وحده مسؤولية تربية جيل كامل.
وكذلك المجتمع؛ فحين تغيب فضاءات الرياضة والثقافة والترفيه الهادف، وتضيق فرص المشاركة أمام الشباب، يصبح من الضروري التساؤل عمّا نتركه متاحًا لهم من بدائل. فالشباب لا يحتاجون إلى من يحذّرهم من الخطأ فحسب، بل يحتاجون أيضًا إلى فرص حقيقية للنجاح والانتماء وتحقيق الذات.
وللدولة بمؤسساتها مسؤولية لا يجوز إغفالها، من خلال دعم الأسرة والمدرسة، والوقاية من الإدمان والعنف، ومكافحة الاتّجار بالمخدرات، وحماية الأطفال من الاستغلال، وتوفير خدمات الصحّة النفسية، وضمان وجود آليات فعّالة للتبليغ والتدخّل المبكّر.
فلا يصح أن نطالب الأسرة وحدها بمواجهة مشكلات تتجاوز إمكاناتها، ولا أن نلقي المسؤولية كلها على المدرسة أو المسجد، ثم نُعفي بقية المؤسسات من واجباتها.
من أمراض الجسد إلى جراح النفس
لقد قطعت العلوم الطبية شوطًا بعيدًا في تشخيص كثير من الأمراض العضوية، وأصبح الأطباء قادرين على اكتشاف اضطرابات لم يكن من السهل التعرّف إليها في الماضي. ومع ذلك، ما زال فهم النفس البشرية وتحديد أسباب بعض السلوكيات المعقدة يحتاجان إلى معرفة متخصصة، وملاحظة دقيقة، ومتابعة قد تطول.
فما يحدث داخل الإنسان لا يمكن اختزاله في ما يظهر على وجهه أو في تصرف عابر يصدر عنه. وقد يخفي الطفل أو المراهق وراء صمته أو غضبه أو انعزاله معاناة لا يستطيع التعبير عنها، أو خوفًا لا يجد من يصغي إليه، أو اضطرابًا يحتاج إلى مساعدة متخصصة.
لكن من الخطأ أيضًا أن نضع كل سلوك منحرف في خانة المرض النفسي، أو أن نربط العنف حتمًا بالتشخيصات النفسية. فالغالبية العظمى من الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية ليسوا عنيفين، ولا يجوز تحويل المرضى إلى موضع خوف أو وصمة اجتماعية.
المطلوب هو أن نأخذ المعاناة النفسية على محمل الجد، وأن نفرّق بين الحاجة إلى الاحتواء والعلاج، وبين السلوك الذي يستوجب وضع حدود واضحة و محاسبة عادلة. فالرّحمة لا تعني إلغاء المسؤولية، كما أن المحاسبة لا تعني تجاهل الأسباب التي قد تساعد على فهم السلوك ومعالجته.
حين تدخل التكنولوجيا إلى البيت بلا استئذان
هنا نصل إلى أحد أكثر التحديّات إلحاحًا في عصرنا: التكنولوجيا.
لقد أصبح الهاتف الذكيّ نافذة مفتوحة على العالم، يحملها الطفل في جيبه، وقد يقضي أمامها ساعات أطول مما يقضيه في الحديث مع أسرته أو اللعب مع أقرانه في الواقع. ومن خلال هذه النافذة، يتلقّى معلومات وأفكارًا وصورًا ورسائل لا يستطيع الأولياء دائمًا معرفة مصادرها أو تقدير آثارها.
وقد يجد الطفل نفسه أمام محتوى عنيف، أو تحديّات خطرة، أو دعوات إلى التنمّر والإيذاء، أو محاولات استغلال وتلاعب، أو أنماط سلوكية تُقدَّم له باعتبارها طريقًا إلى الشهرة والقبول الاجتماعي.
كما يمكن أن تتحوّل بعض المنصّات إلى فضاءات للمقارنة المستمرة، والسعي وراء الإعجابات، والتعلّق المفرط بالعالم الافتراضي، على حساب النوم والدراسة والعلاقات الواقعية.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نضع التكنولوجيا في قفص الإتّهام وحدها؛ فهي وسيلة يمكن أن تكون مصدرًا للمعرفة والإبداع والتواصل، كما يمكن أن تُساءَ استعمالًا. والمشكلة ليست في وجودها فحسب، بل في طبيعة المحتوى، ومدة الاستخدام، وعمر الطفل، ومدى نضجه، وقدرة الأسرة على توجيهه، ومسؤولية المنصّات عن حماية المستخدمين الصغار.
أما منع التكنولوجيا منعًا مطلقًا، فقد لا يكون حلًـا عمليًا في عالم أصبحت فيه جزءًا من الدراسة والعمل والحياة اليومية. الأجدى أن نعلّم أبناءنا كيف يستخدمونها، وكيف يتحقّقون مما يشاهدونه، وكيف يرفضون المحتوى المؤذي، ومتى يطلبون المساعدة.
إننا لا نستطيع أن نكون إلى جانب أبنائنا في كل لحظة، لكننا نستطيع أن نزوّدهم بالوعي الذي يساعدهم على الاختيار عندما نغيب عنهم.
والجزائر ليست جزيرة معزولة
نحن في الجزائر لسنا بمعزل عن التحوّلات التي يشهدها العالم. فما يحدث في المجتمعات الأخرى يمكن أن يصل إلينا عبر الشاشات، كما يمكن أن تنتقل إلينا أنماط من السلوك والأفكار عبر شبكات التواصل، فضلًا عن المشكلات التي تنشأ داخل بيئتنا المحلية نفسها.
وقد أصبح من الضروري أن نتعامل بجدية مع ما يثير القلق في بعض الأحياء من تعاطي المخدرات، والعنف، والترهيب، والتنمّر، واستدراج القاصرين إلى سلوكيات خطرة. لكن مواجهة هذه الظواهر تقتضي فهم حجمها وأسبابها، لا الاكتفاء بالانطباعات أو التعميم على الشباب والأحياء.
فليس كل شاب يستخدم الهاتف منحرفًا، وليس كل من يتأثر بثقافة أجنبية فاقدًا لقيمه، كما أن التمسك بالهوية والدين لا يتحقّق بمجرد رفع الشعارات، وإنما يحتاج إلى تربية تقوم على المسؤولية والوعي والقدوة.
وإذا أردنا حماية أبنائنا، فعلينا أن نوفّر لهم ما يعينهم على بناء شخصيات متوازنة: تعليمًا جيدًا، وعلاقات أسرية سليمة، وفرصًا للرياضة والثقافة، وأملًا في المستقبل، ومؤسسات تستمع إليهم بدل أن تتذكرهم فقط حين يقعون في الخطأ.
فكيف نحمي أبناءنا في عالم لا نستطيع إغلاق أبوابه؟
ربما لم يعد في مقدورنا التحكم في كل ما يصل إلى أبنائنا، ولا منعهم من الاحتكاك بأفكار وأشخاص يختلفون عما نعرفه ونؤمن به. لكن عدم قدرتنا على التحكم الكامل لا يعني استسلامنا، كما أن الاعتراف بتأثير العالم الرقمي لا يبرّر إعفاء الأسرة والمجتمع والمؤسسات من مسؤولياتها.
إن حماية الأجيال لا تكون بإغلاق النوافذ كلها، بل بتعليم الأبناء كيف يميّزون ما يدخل منها؛ ولا تكون بزرع الخوف في نفوسهم، بل ببناء الثقة والوعي والقدرة على اتخاذ القرار؛ ولا تكون بانتظار وقوع الكارثة، بل بالتنبه إلى علاماتها الأولى والتدخّل في الوقت المناسب.
إن أبناءنا ليسوا ملكًا لنا، لكننا مسؤولون عن تربيتهم ورعايتهم وإعدادهم لمواجهة عالم أكثر تعقيدًا من العالم الذي نشأنا فيه. وهم ليسوا مجرد ذخيرة للوطن، بل مواطنون لهم حقوق وحاجات ومشاعر، ويستحقّون أن يجدوا من يحميهم ويرشدهم ويمنحهم فرصة للنمو السليم.
فالمرء قد يتأثر بخليله، وقد تغيّر الشاشة بعض أفكاره، لكن مصيره لا ينبغي أن يُترك للصدفة؛ لأن الجيل الذي لا يجد من يوجّهه في البيت والمدرسة والمجتمع، سيجد حتمًا من يوجّهه في مكان آخر، وليس بالضرورة إلى الطريق الصحيح.



إرسال التعليق