محاذير القضاء.. ممنوعات لا يجوز للقاضي فعلها طبقاً للقانون
الدكتور بن حريد نذير
السلطة القضائية هي الحصن الأخير للعدالة، وخط الدفاع الأول عن حقوق الأفراد وحرياتهم. ونظراً لخطورة الدور الذي يضطلع به القاضي وما يملكه من صلاحيات واسعة في التأثير على مصائر الناس وأموالهم وأعراضهم، فقد أحاطه المشرع بترسانة صارمة من الضوابط والمحاذير القانونية والأخلاقية.
فالقاضي، وإن كان سيد منصته، إلا أنه ليس مطلق اليدين؛ وهناك أفعال وتصرفات يمنعه القانون منعاً باتاً من ارتكابها تحت طائلة المساءلة التأديبية أو الجنائية.
فما هي أبرز المحظورات والممنوعات القانونية التي لا يجوز للقاضي فعلها طبقاً للتشريع (الجزائري والعام)؟
أولاً: محاذير تتعلق بنزاهة الخصومة وحيادها
الحياد هو الجوهر الحقيقي للعمل القضائي، ومن ثم يحظر على القاضي قطعياً:
- الاستماع لأحد الخصوم في غيبة الآخر (منع التقاضي السري): لا يجوز للقاضي نهائياً أن يلتقي بأحد أطراف النزاع أو وكيله على انفراد لمناقشة قضية منظورة أمامه خارج قاعة الجلسات أو غرفة المداولة، فهذا يطعن في مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الخصوم.
- النظر في قضايا له فيها مصلحة شخصية أو قرابة: يمتنع على القاضي تماماً فصل النزاع إذا كانت تربطه قرابة أو مصاهرة بأحد الخصوم، أو إن كانت له مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في الدعوى، وعليه التتنحي (الامتناع) من تلقاء نفسه فوراً.
- الاستعانة بمعلومات شخصية غير مطروحة في الدعوى: لا يجوز للقاضي أن يبني أحكامه على معلومات شخصية أو أسرار علمها بطريقه الخاصة خارج ملف الدعوى، فالقاضي يحكم بما قُدم له من أدلة مشروعة علنية، لا بما يعلمه شخصياً كإنسان.
ثانياً: محاذير تتعلق بحظر إبداء الرأي المسبق
العدالة تتطلب عقهداً فارغاً من أي أحكام مسبقة، ولذلك يُحظر على القاضي:
- إبداء الرأي أو الإفصاح عن قناعته قبل الأوان: لا يجوز للقاضي أثناء سير التحقيق أو جلسات المرافعة أن يصرح برأيه في إدانة المتهم أو براءته قبل إقفال باب المرافعة وتلاوة الحكم رسمياً. فالتسرع في إبداء الموقف يفقد القاضي صفة التجرد ويشكل عيباً جوهرياً في إجراءات التقاضي.
- الامتناع عن إحقاق الحق (جريمة إنكار العدالة): لا يجوز للقاضي بحجة غموض القانون أو نقص النصوص أن يمتنع عن إصدار الحكم في النزاع المعروض عليه. الامتناع عن الفصل تحت أي ذريعة يُعد جريمة “إنكار عدالة” تعرضه للمساءلة التأديبية والقضائية.
ثالثاً: محاذير تتعلق بالاستقلالية وتعارض المصالح المهنية
القاضي كرسه المشرع لعمل مقدس يتنافى مع ممارسات أخرى، ومن ذلك:
- الاشتغال بالسياسة أو العمل الحزبي: يُمنع القاضي منعاً باتاً من الانخراط في أي أحزاب سياسية، أو المشاركة في الحملات الانتخابية، أو إبداء مواقف سياسية علنية، لكي تظل المؤسسة القضائية بعيدة عن صراعات السلطة وتجاذباتها.
- ممارسة التجارة أو الوظائف المربحة: يحظر القانون على القاضي ممارسة أي تجارة، أو شغل مجالس إدارة شركات، أو الجمع بين الوظيفة القضائية وأي مهنة حرة أخرى (كالمحاماة أو الاستشارات التجارية)، حفاظاً على تفرغه التام واستقلاله المادي والمعنوي.
- قبول الهايا والمجاملات: يحرم قانوناً على القاضي تلقي أي هدايا أو امتيازات من المتقاضين أو المحامين أو الأطراف ذات الصلة بالدعاوى المنظورة أمامه، لأنها تعد باباً للرشوة وتضارب المصالح المدمّر لسمعة القضاء.
رابعاً: محاذير تتعلق بوجوب السرية المطلقة
- إفشاء أسرار المداولات: مداولات القضاة في غرفة المداولة قبل النطق بالحالحكم سِرية تامة ومقدسة. لا يجوز لأي قاضٍ إفشاء تفاصيل الآراء التي أبديت، أو كيف تصوّت زملاؤه في القضية، ولو بعد صدور الحكم وانقضاء الدعوى.
- تسريب أسرار القضايا للعموم: يحظر على القاضي كشف تفاصيل التحقيقات الجارية أو الملفات الحساسة لوسائل الإعلام أو الأطراف الخارجية خارج الأطر القانونية المصرح بها.
القيود المفروضة على القاضي ليست عقوبات تُكبّد حريته، بل هي الأغلال الذهبية التي تحمي هيبة العدالة وتضمن طهارة أحكامها. فكلما التزم القاضي بتلك المحاذير وتجنبها، كلما اقتربت منصة القضاء من محراب العدالة المطلقة والحق الخالص.



إرسال التعليق