سورية بين ماضٍ مضطرب ومستقبلٍ يتسم بعدم اليقين

محمد عبد الكريم يوسف

تُعدّ سورية من الدول التي شهدت تحولات جذرية في تاريخها الحديث، إذ انتقلت من الحقبة العثمانية إلى الانتداب الفرنسي، ثم إلى الاستقلال، فإلى عقود من حكم حزب البعث وأسرة الأسد، وصولاً إلى لحظة انهيار النظام في ديسمبر 2024. وقد وصف الباحثون سورية بأنها “بلد مضطرب منذ عقود، حيث تُعرف خريطتها السياسية بالصراعات الداخلية والخارجية”. يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة أكاديمية تحليلية لمسار سورية بين ماضٍ مضطرب وحاضر انتقالي ومستقبل يتسم بعدم اليقين، مع التركيز على العوامل الداخلية والخارجية التي شكّلت هذا المسار، والتحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية الراهنة.

أولاً: جذور الاضطراب التاريخي في سورية الحديثة

من الانتداب إلى الاستقلال

وُلدت الدولة السورية الحديثة من رحم الحرب العالمية الأولى، إذ لم يتجاوز عمرها قرناً من الزمن. وبعد انتهاء الانتداب الفرنسي عام 1946، دخلت سورية في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي شهدت انقلابات عسكرية متتالية، قبل أن يستقر الحكم نسبياً مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ثم تولّي حافظ الأسد الرئاسة عام 1970.

عهد الأسد الأب: قمع المعارضة وتوطيد السلطة

اتسم عهد حافظ الأسد (1970–2000) بسيطرة أمنية صارمة على المجتمع السوري، إذ واجه النظام تحديات كبرى تمثلت في صعود المعارضة الإسلامية، وأبرزها تمرد الإخوان المسلمين الذي بلغ ذروته في الانتفاضة المسلحة بمدينة حماة عام 1982، والتي سُحقت بعنف مفرط. كما شهدت هذه الفترة توترات متكررة مع القوى الإقليمية، لا سيما العراق وتركيا، مما جعل سورية دولة محورية في توازنات الشرق الأوسط.

عهد بشار الأسد (2000–2024): من الآمال إلى الانهيار

مع تولّي بشار الأسد الرئاسة عام 2000، سادت آمال بإصلاحات سياسية واقتصادية، غير أن “خيبة أمل السوريين في النظام الجديد” سرعان ما ترسّخت. وقد شهدت سورية بعد عام 2000 تحرّراً اقتصادياً جزئياً اتسم بفساد واسع وتركّز الثروة، مما فاقم الاستياء الشعبي الذي انفجر لاحقاً في احتجاجات 2011.

ثانياً: الحرب الأهلية (2011–2024): مأساة إنسانية وتعقيدات إقليمية

اندلاع الاحتجاجات

في مارس 2011، انطلقت احتجاجات سلمية في مدينة درعا جنوبي سورية، إثر اعتقال وتعذيب مجموعة من الشباب رسموا شعارات ثورية على جدار مدرسة. وسرعان ما انتشرت الاحتجاجات في أنحاء البلاد، مطالبة باستقالة الرئيس بشار الأسد. وقد أدى استخدام الحكومة للقوة المفرطة إلى تصاعد العنف وانتقال المعارضة إلى حمل السلاح.

الانزلاق نحو الحرب

بحلول عام 2012، وصل القتال إلى العاصمة دمشق ومدينة حلب، وانزلقت البلاد إلى حرب أهلية شاملة. وتشير التقديرات إلى أن عدد القتلى تجاوز 465,000 شخص، كما نزح أكثر من تسعة ملايين سوري داخل البلاد وخارجها.

أبعاد الصراع الطائفية والدولية

اتخذ الصراع السوري بعداً طائفياً على نحو دفع الأغلبية السنية إلى مواجهة مع الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد. كما جذب الصراع دولاً مجاورة وقوى عالمية، إذ دعمت تركيا والسعودية وقطر فصائل المعارضة، بينما دعمت إيران وروسيا وحزب الله النظام السوري. وأضاف ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” بعداً جديداً للصراع، مع ارتكاب جميع الأطراف انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب موثقة.

ثالثاً: سقوط النظام وبداية المرحلة الانتقالية (ديسمبر 2024)

لحظة الانهيار

في فجر 8 ديسمبر 2024، دخلت فصائل المعارضة دمشق، معلنةً نهاية حكم حزب البعث الذي استمر 61 عاماً، بينها 53 عاماً من سيطرة أسرة الأسد. وقد أعلن الرئيس بشار الأسد مغادرته البلاد، لتطوى بذلك صفحة من أكثر الفصول دموية في تاريخ سورية الحديث.

تشكيل الإدارة الانتقالية

تولّى أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية بصلاحيات واسعة، وقد أثار ذلك بعض الانتقادات، خصوصاً بعد صدور إعلان دستوري حدّد الفترة الانتقالية بخمس سنوات مع تركيز كبير للسلطات بيده. وفي 13 مارس 2025، وقّع الرئيس الشرع إعلاناً دستورياً يرسم أسس المرحلة الانتقالية، إذ ينص على أن الرئيس يجب أن يكون مسلماً، ويحدد الفقه الإسلامي كمصدر رئيسي للتشريع، ويمنح الرئيس سلطات تنفيذية كاملة مع إلغاء منصب رئيس الوزراء.

إنجازات المرحلة الأولى

على الرغم من التحديات الجسيمة، تمكنت الحكومة الانتقالية من تحقيق بعض الإنجازات خلال عامها الأول. فقد أعادت مؤسسات الدولة وبدأت في دمج الفصائل المسلحة تحت قيادة واحدة، وأصدرت إعلاناً دستورياً، وشكّلت حكومة جديدة، وأجريت انتخابات تشريعية غير مباشرة في أكتوبر 2025. كما عاد أكثر من مليون لاجئ وما يقرب من مليوني نازح داخلياً إلى مناطقهم الأصلية، ورفعت العديد من الدول العقوبات الثنائية المفروضة على سورية، بما في ذلك إلغاء قانون قيصر الأمريكي.

رابعاً: التحديات الراهنة: بين هشاشة الاستقرار وضغوط الواقع

التحديات الأمنية

لا يزال الوضع الأمني في سورية هشاً على الرغم من الانخفاض الملحوظ في مستويات العنف. فقد أدت سنوات الصراع وعقود من الحكم القمعي إلى تفاقم التوترات الطائفية، وتجلّى ذلك في أحداث العنف الكبرى التي شهدها الساحل السوري في مارس 2025، والهجوم الإرهابي على كنيسة في دمشق في يونيو، وأحداث العنف في السويداء ذات الأغلبية الدرزية في يوليو. كما تواصل التقارير ورود أنباء عن عمليات إعدام خارج نطاق القضاء وعمليات اختفاء تستهدف مجتمعات محددة، بما في ذلك العلويون.

وفي شرق سورية، لا تزال خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” تشنّ هجمات متكررة، إذ نفذ التنظيم 215 هجوماً في المناطق الخاضعة للإدارة الذاتية الكردية منذ بداية عام 2025، أسفرت عن مقتل نحو 100 شخص. كما حذّرت تقارير من أن سورية تواجه تحدياً أمنياً كبيراً يتمثل في اختراق عناصر جهادية لصفوف قوات الأمن السورية الجديدة.

التحديات الاقتصادية

يعاني الاقتصاد السوري من تدهور حاد غير مسبوق. فقد انكمش إجمالي الناتج المحلي بأكثر من 50% منذ عام 2010، وانخفض نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي إلى 830 دولاراً أمريكياً فقط في عام 2024، وهو أقل بكثير من الحد الدولي للبلدان منخفضة الدخل. ويعيش ثلثا السوريين تحت خط الفقر، بينما يعاني واحد من كل أربعة من الفقر المدقع.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكاليف إعادة الإعمار في سورية تتراوح بين 140 و345 مليار دولار، مع تقدير متحفظ يبلغ 216 مليار دولار. وقد تضرر ما يقرب من ثلث رأس المال الإجمالي قبل الصراع، مع أضرار مادية مباشرة تُقدَّر بـ 108 مليارات دولار. كما تواجه سورية أزمة سيولة حادة بسبب نقص الأوراق النقدية واضطرابات واسعة في تداول العملة المحلية.

التحديات السياسية: المصالحة والعدالة الانتقالية

لا يزال ملف المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية من أكثر الملفات تعقيداً. وقد أنشأت الحكومة السورية هيئة وطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم رقم (20) لعام 2025، غير أن التحديات لا تزال قائمة. وتؤكد منظمات حقوق الإنسان على ضرورة أن “توجّه حقوق الناجين وعائلات الضحايا مسار المرحلة الانتقالية”. كما أن الإعلان الدستوري الذي منح الرئيس سلطات واسعة أثار مخاوف من تركيز السلطة بدلاً من بناء نظام ديمقراطي تعددي.

وفي هذا السياق، يشير خبراء مؤسسة كارنيغي إلى أن “الإنجازات التي تحققت خلال العام الماضي اقتصرت في معظمها على السياسة الخارجية”، وأن الرئيس الشرع “لم يقدّم سوى القليل على الجبهات الاقتصادية والأمنية والسياسية الداخلية”. كما لم تُطرح حتى الآن عملية واضحة للعدالة الانتقالية والمصالحة، وهي خطوة ضرورية لتجنيب الأقليات، بما في ذلك العلويون، هجمات الانتقام.

خامساً: سورية والقوى الخارجية: إعادة تشكيل النفوذ

إسرائيل: تهديد متصاعد في الجنوب

برزت إسرائيل كفاعل خارجي رئيسي في سورية ما بعد الأسد. فقد عمّدت إسرائيل إلى توسيع وجودها العسكري من خلال إنشاء منطقة عازلة في جنوب غرب سورية بمحاذاة مرتفعات الجولان المحتلة، وسيطرت على مواقع جديدة في جبل الشيخ. كما نفذ الجيش الإسرائيلي أكثر من 600 عملية داخل الأراضي السورية منذ 8 ديسمبر 2024، بمعدل عمليتين يومياً.

وتشير تحقيقات صحفية إلى أن إسرائيل تسلّح وتدعم ميليشيات درزية في جنوب سورية، في إطار استراتيجية تهدف إلى “إضعاف التماسك الوطني السوري وتعقيد جهود إعادة بناء سلطة مركزية قوية”. وقد أدانت الأمم المتحدة هذه الانتهاكات ودعت إسرائيل إلى الامتناع عن انتهاك سيادة سورية ووحدة أراضيها.

تركيا: النفوذ المتنامي في الشمال

بعد سقوط نظام الأسد، تزايد النفوذ التركي على التطورات في سورية بشكل ملحوظ. وتسعى تركيا إلى ترسيخ وجودها العسكري في شمال سورية، إذ أشارت تقارير إلى استمرار القوات التركية في البلاد وضلوع مجموعات مسلحة مدعومة من أنقرة في أعمال العنف الأخيرة في شمال وشمال شرق سورية. وتعتبر أنقرة أن “استقرار سورية هو استقرار لتركيا”، وقد رحّبت برفع العقوبات المفروضة على سورية واصفةً ذلك بأنه خطوة حاسمة للاستقرار الإقليمي.

إيران: تراجع النفوذ وانتظار حذر

مع سقوط نظام الأسد، تراجع النفوذ الإيراني في سورية بشكل كبير. وتتعامل طهران بحذر شديد مع المرحلة السياسية الجديدة، إذ أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إيران “لن تتسرع في استئناف علاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة”، مشدداً على أن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تقوم على إرادة الشعب السوري نفسه. وقد أشارت تقارير إلى أن إيران لا تربطها حالياً أي علاقات دبلوماسية مع الحكومة السورية الجديدة، وأنها تراقب التطورات عن كثب.

روسيا: محاولة الحفاظ على المصالح الاستراتيجية

تسعى روسيا إلى الحفاظ على وجودها العسكري ومصالحها الاستراتيجية في سورية، لا سيما قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية على الساحل المتوسطي. وقد استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزيري الخارجية والدفاع السوريين في ديسمبر 2025 لبحث تعزيز التعاون العسكري وإعادة الإعمار، حيث جدّد بوتين دعم روسيا الثابت لسورية مشدداً على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

خاتمة

تكشف مسيرة سورية منذ تأسيسها وحتى الوقت الراهن عن بلد لم يعرف الاستقرار الدائم، إذ تناوبت عليه فترات من القمع الداخلي والتدخلات الخارجية والصراعات المسلحة. وبعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية التي خلّفت مئات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، دخلت سورية منذ ديسمبر 2024 مرحلة انتقالية تحمل في طياتها فرصاً وتحديات متساوية. فمن ناحية، هناك إنجازات حقيقية تحققت على صعيد استعادة مؤسسات الدولة وعودة اللاجئين ورفع العقوبات. ومن ناحية أخرى، لا تزال التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية هائلة، مع استمرار التدخلات الخارجية الإسرائيلية والتركية والإيرانية والروسية التي تعقّد أي مسار نحو الاستقرار الدائم.

إن مستقبل سورية يبقى رهيناً بقدرة قيادتها الانتقالية على بناء نظام حكم شامل يضمن حقوق جميع مكونات المجتمع السوري، ويحقق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، ويوازن بين الضغوط الخارجية ومتطلبات السيادة الوطنية. وكما وصف أحد الباحثين الوضع الراهن، فإن “الانتقال يسير على حبل مشدود”، حيث “كل شيء ممكن ولكن المخاطر تتزايد”. وفي هذا السياق، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع سورية تحويل ماضيها المضطرب إلى أساس لمستقبل أكثر استقراراً، أم أن عدم اليقين سيبقى السمة الغالبة على مسارها؟

المراجع

  1. Bandak, A. (2024). Syrian futures: Percolation, temporality and historical experience in the plural. History and Anthropology. https://doi.org/10.1080/02757206.2024.2346885
  2. القاضي، م. ح. (2026). الاستقرار السياسي في سوريا وانعكاساتها على الأمن الإقليمي والدولي. مجلة الدراسات الإيرانية، 10(23). https://rasanah-iiis.org
  3. BBC News عربي. (2014). قصة الصراع السوري. https://www.bbc.com/arabic/middleeast/2014/11/141112_syria_story_conflict
  4. World Bank. (2025). Syria Physical Damage and Reconstruction Assessment 2011-2024. https://documents.worldbank.org
  5. World Bank. (2025, July 7). تقرير جديد للبنك الدولي يسلط الضوء على التحديات الاقتصادية وآفاق التعافي في سوريا لعام 2025. https://www.albankaldawli.org
  6. United Nations. (2025, December 18). USG DiCarlo briefs Security Council on Syria’s transition, security challenges, and path toward reconciliation. https://www.unmissions.org
  7. Carnegie Endowment for International Peace. (2025, December 8). A Year Later, What is Your Assessment of the Assad Downfall? https://carnegieendowment.org
  8. Anadolu Agency. (2025, December 8). عام على إسقاط الأسد.. ملامح سوريا الجديدة. https://anadoluagency.com
  9. Carnegie Endowment for International Peace. (2025, November 12). الصراع الجديد على سورية. https://carnegieendowment.org
  10. Washington Post. (2025, December 23). إعلام: “إسرائيل” سلحت ميليشيات درزية في سوريا لمواجهة صعود الشرع. https://alghadpress.com
  11. European Parliament. (2026). Report on the 2025 Commission report on Turkey (A10-0106/2026). https://www.europarl.europa.eu
  12. Iran International. (2025, December 5). تقارير إعلامية: حلفاء إيران يسعون إلى استغلال الأزمة في سوريا وتجنيد عناصر جديدة. https://www.iranintl.com
  13. قناة العالم الإخبارية. (2025, December 24). الرئيس الروسي يبحث مع وزيري الخارجية والدفاع السوريين تعزيز التعاون العسكري وإعادة الإعمار. https://qna.org.qa
  14. Amnesty International. (2025, December 9). سوريا: بعد عام على سقوط نظام الأسد: ينبغي أن توجّه حقوق الناجين وعائلات الضحايا مسار المرحلة الانتقالية. https://www.amnesty.org
  15. SANA. (2025, December 7). لجنة التحقيق الدولية تشيد بخطوات سوريا في العدالة الانتقالية. https://sana.sy
  16. Carnegie Endowment for International Peace. (2025, August 18). A Second Chance for a Consensual Process in Syria? https://carnegieendowment.org
  17. International IDEA. (2025). Syrian Arab Republic – March 2025: President Al-Sharaa signs constitutional declaration for five-year transition. https://www.idea.int
  18. Wilson Center. (n.d.). Syria Chronology 2011. https://www.wilsoncenter.org
  19. UN News. (2025, December 8). Syria at a crossroads: UN warns fragile transition needs global support. https://news.un.org
  20. UNHCR. (2025, December 8). UNHCR: Historic return of displaced Syrians presents opportunity and urgent challenges. https://www.unhcr.org
  21. Carnegie Endowment for International Peace. (2025, December 9). The United States and the Emerging Security Order in Eastern Syria. https://carnegieendowment.org
  22. ECOI. (2025, December 15). Palmyra Attack Exposes Syria’s Security Sector Vulnerabilities. https://www.ecoi.net

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك