السكان الأصليون لمدينة وهران: الجذور التاريخية وتعدد الروافد

د. علي بوجابر

تُعد وهران (الباهية)، ثاني أكبر مدن الجزائر وعاصمتها الغربية، واحدة من أكثر المدن عراقة وتنوعاً ثقافياً في شمال إفريقيا. نظراً لموقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأبيض المتوسط وكونها ميناءً تجارياً حيوياً، شهدت وهران تعاقباً حضارياً وبشرياً كثيفاً عبر التاريخ. وعند الحديث عن “السكان الأصليين” لمدينة وهران، فإن التاريخ لا يقدم إسماً لقبيلة واحدة بمعزل عن محيطها، بل يبرز امتداداً تاريخياً متقاطعاً بين السكان الأمازيغ المحليين والعشائر العربية والقبائل المجاورة التي صنعت هوية المدينة.

يتناول هذا المقال الجذور الأولى والتطور الديموغرافي لسكان وهران عبر العصور:

1. الجذور الأمازيغية الأولى (النواة التاريخية)

تعود النواة البشرية الأولى لمنطقة وهران ومحيطها إلى القبائل الأمازيغية المستقرة في الغرب الجزائري:

  • قبائل زناتة ומغراوة: كانت السهول المحيطة بوهران وتخومها الممتدة نحو سهل غريس وتلمسان معقلاً رئيسياً لبطون زناتة الأمازيغية العريقة (مثل مغراوة وبني عبد الواد). وقد ارتبط تأسيس المدينة في القرن العاشر الميلادي (عام 902 م) على يد الأميرين الأمازيغيين محمد بن أبي عون ومحمد بن يوسف المهنوي (من بطون زناتة) بكونها مرسى ومأوى لقبلائلهم ومحطة تجارية هامة.
  • العمق الساحلي والداخلي: اندمجت هذه البطون الأمازيغية مبكراً مع محيطها الجغرافي، وشكلت النواة السكانية الأولى التي عمرت المنطقة قبل وأثناء قيام الدول الإسلامية المتعاقبة (المرابطية، الموحدية، والزيانية).

2. الانصهار العربي والقبلي (الهجرات الكبرى)

مع تعاقب الحركات التاريخية وهجرات القبائل العربية (كالهلاليين والمعقليين والسليمانيين) نحو الغرب الجزائري، شهدت وهران ومحيطها توافداً بشرياً كبيراً:

  • القبائل المحيطة بوهران: استقرت بطون عربية وأمازيغية متلاحمة في الأقاليم المجاورة لوهران، مثل قبائل بني عامر، والأعراش السهوبية والساحلية المجاورة، والتي كانت تمثل الامتداد البشري والاقتصادي والغذائي لمدينة وهران عبر التاريخ.
  • التحول اللغوي والثقافي: أسست هذه الهجرات لتثبيت الطابع العربي الإسلامي الغالب على لغة وثقافة وثيق صلة سكان المدينة، حيث امتزجت دماء الروافد الأمازيغية والعربية في بوتقة واحدة لا تقبل التجزئة.

3. التنوع الحضاري والتركيبة الحديثة

لم تقتصر أصالة وهران على مكون واحد، بل طبعت الفترات التاريخية اللاحقة بصماتها على سكانها:

  • الأندلسيون والموريسكيون: بعد سقوط غرناطة ونزوح المسلمين واليهود الأندلسيين نحو شمال إفريقيا، استقر عدد كبير من العائلات الأندلسية في وهران (رغم الفترات الاستعمارية الإسبانية المتعاقبة)، وأسسوا أحياءً وأثروا الحياة الاقتصادية، والفنية (طالع الغرناطي)، والعمرانية للمدينة.
  • العائلات الوهرانية الأصيلة: تتشكل الأسر “الوهرانية الأصلية” اليوم من مزيج متجانس يضم أبناء القبائل والعروش المجاورة للغرب الجزائري (من معسكر، تيارت، تلمسان، مستغانم، وشلف)، إضافة إلى العائلات التي استقرت في المدينة عبر قرون، مما جعل وهران مدينة منفتحة، مضيافة، وذات شخصية ثقافية فريدة ومحبوبة.

إن السكان الأصليين لمدينة وهران هم باختصار ثمرة تلاقح حضاري وبشري عميق، يجمع بين الجذور الأمازيغية الزناتية الأصيلة، والامتداد العربي القبلي الواسع في الغرب الجزائري، والبصمة الأندلسية المتألقة. هذا التنوع هو السر الحقيقي وراء روح وهران المرحة، وانفتاحها، وعراقتها الممتدة عبر التاريخ.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك