تعديل دوام عمل الادارة في الجزائر .. اعتماد نظام الدوام الواحد
من نظام الدوامين إلى أسبوع الـ 30 ساعة: نحو ثورة في نجاعة الإدارة وجودة الحياة
ليلى بلدي
اقترح المحامي عبد الحفيظ ميلاط اعتماد نظام عمل بدوام واحد .
يشكل التحول من نظام العمل التقليدي القائم على “الدوامين” إلى نظام الدوام المستمر وتقليص ساعات العمل الأسبوعية إلى 30 ساعة أحد أكثر الإصلاحات الإدارية والاجتماعية دلالة في عصرنا الحديث؛ إذ ينقل الإدارة العمومية من مفهوم الأداء الكمي المقترن بطول ساعات التواجد المكتبي إلى مفهوم الإنتاجية النوعية المرتكزة على جودة المخرجات وتطوير بيئة العمل.
عثرات نظام الدوامين المتقطع
طالما أثبت نظام الدوامين (صباحي ومسائي تتخلله استراحة طويلة) عيوبه التنظيمية والاجتماعية؛ فهو ينطوي على استنزاف غير برير لوقت الموظف والمواطن على حد سواء. فالاستراحة الفاصلة بين الفترتين تُنشئ حالة من الإرباك المروري المزدوج خلال اليوم، وتزيد من استهلاك الطاقة في المؤسسات، فضلاً عن تسببها في إجهاد الموظف وتقليل تركيزه خلال الفترة المسائية. كما تضر هذه الفجوة الزمنية بمرونة الخدمات الإدارية، حيث ينقطع قضاء مصالح المواطنين لعدة ساعات وسط النهار.
المزايا الاقتصادية والتشغيلية لنظام 30 ساعة متصلة
إن اعتماد أسبوع عمل مكوّن من 30 ساعة (بمعدل 6 ساعات يومياً على مدار 5 أيام) وفق نظام الدوام المستمر، يُمكّن المؤسسات الإدارية والخدمية من تحقيق مكاسب متعددة:
- رفع كفاءة الأداء ورضا العمال: تشير أحدث أبحاث إدارة الموارد البشرية إلى أن ساعات العمل الأقل والمستمرة تحافظ على الطاقة الذهنية للموظفين وتحد من ظاهرة الإرهاق الوظيفي (Burnout)، مما يعزز تركيزهم ويرفع من معدلات إنتاجيتهم خلال الساعات المقررة.
- ترشيد الإنفاق والنفقات التشغيلية: يساهم الدوام المستمر في خفض تكاليف إدارة المرافق الإدارية، من استهلاك للكهرباء والطاقة والصيانة المرافقة لتشغيل المقرات على فترتين متباعدتين.
- تخفيف الاكتظاظ المروري والتحكم في التلوث: يقلل نظام الدوام المستمر من حركة التنقل اليومية بين المنازل وأماكن العمل من أربع رحلات إلى رحلتين فقط، مما يخفف الضغط على الاختناقات المرورية في المدن ويقلل من الانبعاثات الكربونية.
التوازن بين الحياة المهنية والشخصية
على الصعيد الاجتماعي، يوفر نظام الـ 30 ساعة المتصلة هامشاً زمنياً أوسع للموظفين لإدارة حياتهم الشخصية والأسرية؛ حيث يتيح للموظف الانتهاء من مهامه في وقت مبكر من اليوم، مما يمنحه فرصة أكبر للتواصل العائلي، ومتابعة الأبناء، والاستثمار في الصحة البدنية أو التطوير الذاتي. هذا التوازن ينعكس مباشرة بصورة إيجابية على الاستقرار النفسي للموظف ويمده بالطاقة الإيجابية داخل بيئة العمل.
متطلبات الانتقال السلس
لضمان نجاح هذا التحول دون المساس بجودة الخدمة العمومية، يتطلب الأمر تبني مجموعة من الإجراءات المرافقة:
- تعزيز التحول الرقمي: ميكنة الخدمات الإدارية وتطوير المنصات الإلكترونية لضمان استمرارية قضاء مصالح المواطنين خارج أوقات الدوام الرسمي.
- إعادة تنظيم نوبات العمل (المناوبة): تطبيق نظام التناوب بين الموظفين في القطاعات الحيوية التي تتطلب تقديم خدمات مستمرة للجمهور على مدار اليوم.
- الاعتماد على إدارة الأهداف: الانتقال من تقييم الموظف بناءً على عدد الساعات التي يقضيها بالمكتب إلى تقييمه بناءً على حجم المهام المنجزة وجودتها.
إن البدء في تنفيذ هذا النمط الإداري الحديث يعكس رؤية شاملة تعيد بناء العلاقة بين الموظف، الإدارة، والمواطن، محولةً بيئة العمل من عبء زمني إلى منصة إنتاجية متكاملة تحقق المصلحة العامة وتواكب متطلبات العصر.



إرسال التعليق