حين يلتقي المتهم الغبي بالضابط الغاضب!

توفيق حسون

في أدبيات الدراما والبوليسيات العالمية، يعودنا الكُتّاب على التحقيق البوليسي كمعركة ذكاء وحرب عقول بين محقق عبقري يفك الألغاز ومجرم محترف يحسب كل خطوة بالمسطرة. غير أن الواقع في غرف التحقيق المحلية يتجاهل هذه الفخامة كلياً، ليعرض علينا واحدة من أكثر العروض الكوميدية سوداوية: معركة يأس تجمع بين ضابطٍ يفقد أعصابه تدريجياً، ومتهمٍ يتنفس الغباء بعفوية مطلقة!

يدخل المتهم الغبي غرفة التحقيق مسحوباً من يده، لا تبدو عليه علامات الخوف بقدر ما تبدو عليه علامات “عدم الفهم الشامل” لما يحدث حوله. وعلى الجانب الآخر، يجلس الضابط، مرتدياً طابعه الجاد، حاملاً ملفاً ضخماً، مستعداً لخوض جولة من الدهاء واستخراج الاعترافات.

يبدأ العرض:

  • الضابط (بنبرة حازمة وهيبة صارمة): “أين كنت ليلة البارحة بين الساعة التاسعة والعاشرة؟”
  • المتهم (ببراءة متناهية وتحديق في السقف): “البارحة؟ هل البارحة هي التي كانت قبل اليوم، أم التي قبل قبل اليوم يا سيدي؟”
  • الضابط (يتنفس عميقاً ويحاول الضبط): “البارحة يا غبي! ليلة أمس! يوم الأربعاء!”
  • المتهم: “آه الأربعاء! كنتُ أتناول العشاء مع ابن عمي… أو ربما كنتُ نائماً، لا أذكر بدقة، لكن الأكيد أنني لم أكن هناك!”
  • الضابط (يلتفت للشرطي الواقف بجانبه): “هناك أين؟ أنا لم أقل لك بعد أين كانت الجريمة!”
  • المتهم (بابتسامة ارتياح): “الحمد لله! أرأيت يا سيدي؟ أنا بريء لأنني لم أكن في المكان الذي لم تقله لي!”

عند هذه النقطة، تبدأ الشرايين في رقبة الضابط بالانتفاخ، ويزداد وجهه حمرة، ويتحول القلم في يده من أداة كتابة إلى مشروع سلاح حاد!

المشكلة الكبرى مع المتهم الغبي أنه لا يكذب؛ فالكذب يتطلب قدرات ذهنية وتخطيطاً وتذكراً للتفاصيل، وهو كائن خالي من هذه المشتقات تماماً. إنه يقول الحقيقة، ثم يناقضها، ثم يخترع حقيقة جديدة في نفس الجملة، ليس بهدف التضليل، بل لأن عقله يعمل بنظام “التصفح العشوائي”!

يواصل الضابط الهجوم:

  • الضابط (يضرب الطاولة بيده حتى تهتز أركان الغرفة): “البصمات! بصمات أصابعك موجودة على خزنة الخزينة المسروقة! كيف تشرح هذا؟”
  • المتهم (ينظر إلى يديه بدهشة وكأنه يكتشفهما لأول مرة): “سبحان الله! أنا بنفسي مستغرب كيف وصلت بصماتي إلى هناك! ربما أعرُتها لصديقي في المساء ليردها لي في الصباح؟”

هنا، يرمي الضابط الملف على الطاولة، يخلع سترة الخدمة، ويأخذ جولة حول الكرسي وهو يمسح وجهه بكفيه، متسائلاً عن الجرم الذي ارتكبه في حياته ليتولى التحقيق مع شخص يجعل السجن خياراً مريحاً للطرفين!

إن خطورة المتهم الغبي لا تكمن في شرّه، بل في قدرته الخارقة على تدمير المنطق. إنه يرفع ضغط المحقق لا لأنه ينكر التهمة، بل لأنه قد يعترف بجرائم لم تحدث أساساً، فقط ليرضي الضابط كي يسمح له بالذهاب إلى البيت لينام!

ينتهي التحقيق دائماً بضابط يحتاج إلى مسكنات حادة ومستشار نفسي، ومتهم يجلس في الزنزانة بكل راحة بال، يسأل الجالس بجانبه: “هل تعرف متى موعد الغداء هنا؟ الضابط كان طيباً جداً معي اليوم!”.

توفيق حسون

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك