جدلية السجان والسجين: حين يكون المديرُ السجينَ الأكبر!
الكاتب: سي عمر أيوب
في فلسفة القيد والحرية، كثيراً ما تتشابك المفاهيم حتى يتداخل المفهوم بضده؛ فالسجن ليس مجرد قضبان من حديد وأسوار من أسمنت، بل هو منظومة نفسية وسلوكية معقدة تفرض أحكامها على كل من يتواجد داخل أسوارها، سواء كان مكبلاً بالسلاسل أو يحمل مفاتيح الأبواب.
ومن هنا تنبع المقولة الفلسفية الشهيرة التي لطالما أثارت الجدل في أروقة الفكر الإنساني: “إن مدير السجن هو الشخص الأكثر خوفاً في السجن بأكمله”.
أولاً: تفكيك الجدلية.. زيف السلطة والحرية المستلبة
لو تأملنا الظاهر، لرأينا معادلة قوة غير متكافئة: سجان يملك النفوذ، والقدرة على العقاب، وحرية الحركة داخل وخارج السجن، وسجين محاط بالقيود والحرمان. لكن القراءة العميقة لهذه الجدلية تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً.
- السجين: رغم حرمانه من حرية الحركة، إلا أنه يعيش حالة من “اليقين الجبري”. لقد حدث له الخوف الأكبر بالفعل (وهو فقدان الحرية)، ولم يعد لديه ما يخسره سوى صموده الذاتي أو أمله في الفرج.
- مدير السجن: يعيش في حالة دائمة من التوجس والارتياب. حرّيته ظاهرة، لكن عقله مكبل بالمسؤولية، والرقابة، وخشية الوقوع في الخطأ، والرعب المستمر من أي إخلال بالنظام.
ثانياً: لماذا يكون “المدير” هو الأكثر خوفاً؟
تتلخص حالة الخوف المركبة لدى مدير السجن في عدة أبعاد سيكولوجية وأمنية:
- الخوف من فقدان السيطرة: يقضي السجان حياته وهو يترقب الحركات، والأصوات، والنظرات. إن أي همسة أو تحرك غير عادي يثير لديه هلع العصيان أو التمرد. إن خوفه ليس من المكان، بل من الفوضى التي قد تعصف بموقعه وسلطته في أي لحظة.
- سجن الحراسة والرقابة الدائمة: يعيش مدير السجن حراسة مضاعفة؛ فهو لا يحرس المساجين فحسب، بل يحرس نفسه منهم، ويحرس المؤسسة من المساءلة العليا. يصبح سلوكه مبرمجاً وقسرياً، مما يجعله مقيداً باللوائح والبروتوكولات بصرامة قد تتجاوز القيود المفرتضة على السجناء أنفسهم.
- الرعب من الانتقام: يسكن السجان خوفٌ قسري من يوم قد تنقلب فيه الموازين، أو لحظة غفلة يستغلها السجين للثأر من القمع. هذا الخوف يجعله في حالة “استنفار حسي” دائم يُنهِك جهازه العصبي والنفسي.
ثالثاً: المقاربة الفلسفية.. سجين الجدران وسجين الخوف
تذكرنا هذه الجدلية بالتحليل الهيجلي الشهير لـ “جدلية السيد والعبد”؛ حيث ينتهي المطاف بالسيد ليصبح معتمداً كلياً على العبد لتأكيد وجوده وسلطته.
كذلك هو مدير السجن؛ إن وجوده ووظيفته وهويته برمتها مرهونة بوجود السجين خلف القضبان. وبدون ذلك السجين، يفقد المدير معناه وموقعه. وفي الوقت الذي قد يجد فيه السجين حرية روحية أو فكرية داخل زنزانته، يظل مدير السجن سجناً لهيكلية المؤسسة، وأسيراً لوسواسه الخوف المتواصل من انفلات الأزمات.
خاتمة: المفتاح الذي يقيد صاحبه
إن المعنى الأعمق لهذه المقولة يخبرنا أن القمع لا يحرر صاحبه أبداً، بل يجعله أول ضحاياه. فاليد التي تمسك بالمفتاح للتمكين من إغلاق الباب على الآخرين، هي ذاتها اليد التي تبقى معلقة ومقيدة بالمقبض، عاجزة عن الابتعاد.
يبقى مدير السجن أسيراً لخوفه ومسؤوليته وقلقه المستمر، ليثبت التاريخ الفلسفي دائماً أن: “من يسلب حريات الآخرين، يغرق أولاً في سجن الخوف مما صنع!”
توقيع:
سي عمر أيوب



إرسال التعليق