قصة الشاب الذي اقتحم قصر الرئاسة بسيارته و قتل على الفور
ثانية واحدة حولت المأساة إلى درس في القيادة: قصة الشاب الذي اقتحم قصر الرئاسة بسيارته
عباس عز الدين
فاتحة درامية: الخبر الذي أوقف المؤتمر
في خريف عام 1990، بينما كان الرئيس المصري حسني مبارك منشغلاً بمتابعة أعمال مؤتمر رسمي في أسوان، تلقى فجأة اتصالاً هاتفياً حاملاً لخبر صادم وغير مسبوق: شاب صغير في السن، استطاع بسيارته الخاصة تجاوز الحواجز واقتحام قصر الرئاسة في مصر الجديدة (قصر الاتحادية حالياً)، ليتعامل معه الحراس بطلقات نارية أودت بحياته فوراً على الأسفلت!
في دقائق معدودة، تحول جو المؤتمر إلى غرفة عمليات مصغرة. أجرى الرئيس مبارك اتصالاً هاتفيًا عاجلاً ضم رئيس الوزراء الدكتور عاطف صدقي، ووزير الإعلام صفوت الشريف، ووزير الداخلية محمد عبد الحليم موسى، موجهاً سؤاله الحاسم: “إيه اللي حصل؟”.. وهنا، سُمعت واحدة من أغرب وأحزن الحكايات في كواليس الحكم بمصر.
أولاً: “هجبلك مصيبة”.. عندما تتحول المراهقة إلى نهاية مأساوية
التحقيقات السريعة كشفت عن تفاصيل تفطر القلوب؛ الشاب القتيل يُدعى “أدهم”، وهو ابن لأحد أبرز قضاة مصر ورجال القانون، المستشار صهيب محمد حافظ، رئيس محكمة استئناف القاهرة.
بدأت القصة بخلاف عائلي بسيط احتدم بين الشاب ووالده، فلم تتحمل نفسية المراهق الضغط، وأطلق عبارته المتهورة لوالده: “هجبلك مصيبة النهارده واسمك هيبقى على كل لسان”. خرج أدهم غاضباً، وسرق مسدس والده، وقاد سيارته متجهاً نحو قصر العروبة. وبسبب حداثة سنه وقلة خبرته السياسية والأمنية، لم يكن يدرك خطورة ما يقدم عليه؛ فقد تصور بسذاجة الطفولة والمراهقة أن الأمر لن يعدو كونها مغامرة طايشة تنتهي بالتحقيق معه ومع أسرته لإزعاجهم فقط، غافلاً عن أن بوابات القصور الرئاسية تحرسها عقيدة أمنية لا تعرف المزاح، لتنتهي رحلته القصيرة بطلقات نارية أنهت حياته على الفور.
ثانياً: إنسانية الرئيس.. من هلع الموقف إلى مواساة المكلومين
حين تيقن الرئيس مبارك من خلال التقارير الأمنية أن الحادث مجرد تصرف فردي طايش وخالٍ تماماً من أي أجندة أو خلفية سياسية، غمرته موجة من التأثر الشديد حزناً على الشاب وضياع مستقبل أسرة بكاملها.
لم يكتفِ مبارك بتقديم العزاء بالبروتوكولات الرسمية، بل بادر شخصياً بالاتصال بالمستشار صهيب حافظ ليواسيه في مصابه الجلل. ولم تتوقف اللفتة الإنسانية عند هذا الحد؛ بل أوفد مندوباً خاصاً هو اللواء أحمد بكر برفقة وزير الداخلية لتشييع الجنازة وتقديم واجب العزاء.
ولأن الجرح كان أعمق من كلمات التعزية، تواصل الرئيس مع وزير العدل المستشار فاروق سيف النصر، مصدراً توجيهاته بترتيب رحلة عمرة فورية لوالد ووالدة الشاب، علّ الله يربط على قلوبهم ويخفف عنهما مرارة الفجيعة. وقد ترك هذا الموقف الإنساني النبيل أثراً بالغاً في نفس الأب المكلوم؛ فما إن عاد المستشار صهيب من الأراضي المقدسة حتى توجّه بنفسه إلى قصر عابدين ليسجل كلمة تاريخية مفعمة بالتقدير لموقف الرئيس، قال فيها:
“أرجو من سيادتكم أن تتقبلوا بالغ أسفنا لما حدث، وإنني والعائلة إذ نتقدم لسيادتكم بعظيم الشكر على كريم مواساتكم التي كان لها أبلغ الأثر في نفوسنا، لنتضرع إلى الله العلي القدير أن يرعاكم ويبقيكم ذخراً لمصرنا.”
ثالثاً: شهادة التاريخ.. كيف غيرت الواقعة قواعد الحراسة؟
لم تكن هذه الواقعة مجرد حدث عابر في ذاكرة السياسة المصرية، بل تحولت إلى شاهد تاريخي تم استدعاؤه في مفاصل قضائية كبرى. فخلال محاكمات القرن، أدلى الضابط السابق بالحرس الجمهوري أحمد أيمن فهيم بشهادة حية حول الواقعة قال فيها:
“أنا كنت بالصدفة فى المقر، واقتحم ابن المستشار صهيب المانع الأول وترجل من السيارة وضرب من المسدس، فأصاب فرد خدمة، فتم التعامل معه بالنار. والرئيس عندما علم بما حدث انزعج، وغير نظام الحراسة بالقصر حتى لا يُجبر أحد من الضباط على القتل في مواقف مشابهة!”
وأكد الضابط في شهادته أن تعامل مبارك مع الأحداث والحرص على حياة الأبرياء ينفي تماماً أي اாتهامات وُجّهت له زوراً، مؤكداً أن طبيعة الرجل كانت تميل دائماً إلى تجنب إراقة الدماء حتى في أشد المواقف أمنياً.
ختاماً
قصة أدهم لم تكن مجرد حادثة جنائية أو مروراً عابراً لصفحة سوداء في تاريخ العائلات، بل كانت مرآة عكست الجانب الإنساني الخفي خلف جدران السلطة؛ حيث تتداخل قسوة القدر، وتهور الشباب، بحكمة وشهامة قائد عرف كيف يتعامل مع الفجيعة بروح الأب قبل هيبة الرئيس!



إرسال التعليق