اعتراف اسرائيلي بالهزيمة أمام يحي السنوار

صدمة المرايا العكسية: قراءة في مقال روبيك روزنتال عن الهزيمة البنيوية للمجتمع الإسرائيلي

أثار المقال الذي نشره الكاتب واللغوي الإسرائيلي البارز روبيك روزنتال في صحيفة “هآرتس” العبرية صدىً واسعاً وتحليلات عميقة في الدوائر السياسية والإعلامية. فالعادة جرت أن تقتصر الكتابات الصادرة عن النخب الإسرائيلية في أوقات الأزمات الكبرى على التعبئة، والتمسك بالرواية الرسمية، والحديث عن “النصر المطلق”. غير أن مقال روزنتال جاء ليحفر عميقاً في بنية الوعي الجمعي الإسرائيلي، معترفاً بأن الهزيمة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المعارك الميدانية، بل بما تتركه من تصدعات بنيوية وأخلاقية عميقة تمتد لأجيال.

أولاً: أطروحة روزنتال.. الانتصار البنيوي وسط الركام

انطلق روزنتال في مقاله من مقاربة جريئة وغير مألوفة في الخطاب السائد، مفادها أن زعيم حركة حماس السابق، يحيى السنوار، استطاع -رغم اختلال موازين القوى العسكرية الهائلة- أن يحقق نصراً استراتيجياً بعيد المدى عبر هزيمة المجتمع الإسرائيلي لأجيال كاملة.

هذه الهزيمة، بحسب الطرح، لا تتعلق فقط بفشل منظومات الاستخبارات أو اهتزاز هيبة الردع في السابع من أكتوبر، بل تتعدى ذلك لتضرب في صميم العقد الاجتماعي والنفسي لدولة الاحتلال، حيث تحولت “الطمأنينة المزيفة” التي عاشها المجتمع الإسرائيلي لعقود إلى حالة من القلق الوجودي المستدام، وفقدان اليقين بالمستقبل على تلك الأرض.

ثانياً: التآكل الأخلاقي وصورة إسرائيل أمام العالم

تطرق الكاتب بمرارة واضحة إلى التحولات الجذرية التي طرأت على السلوك المجتمعي والسياسي الإسرائيلي تحت وطأة الحرب المستمرة. فالسياسات المتبعة وتداعياتها الميدانية والإنسانية جرّت المجتمع نحو حالة من التوحش وفقدان البوصلة الأخلاقية، مما أدى إلى عزلة غير مسبوقة لدولة الاحتلال على الساحة الدولية.

إن التعبير الصادم الذي استُخدم في سياق توصيف حالة العزلة وفقدان الشرعية الأخلاقية يعكس شعوراً عميقاً بالإحباط داخل النقاب الليبرالية واليسارية في إسرائيل، والتي ترى أن سياسات حكوماتها وأفعال جيشها حولت صورتها الدولية إلى كيان منبوذ ومحاصر بالرفض العالمي، متجردًا من أي غطاء إنساني أو أخلاقي يدعم سرديته التقليدية.

ثالثاً: تفكك الأحلام الإقليمية والمشروع السياسي

لم يغفل روزنتال الجانب الجيوسياسي، مشيراً إلى أن تداعيات الصدمة تجاوزت الجبهة الداخلية لتعصف بالمكاسب الدبلوماسية الاستراتيجية التي سعت إسرائيل لتحقيقها طوال السنوات الماضية، مثل مسار “اتفاقيات أبراهام” والتطبيع الإقليمي. فالحدث الكبير أثبت استحالة تجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها، وأعاد فرض القضية المركزية كشرط لا غنى عنه لأي استقرار حقيقي في الشرق الأوسط، موجهاً ضربة قاصمة للأحلام الإسرائيلية بالاندماج الإقليمي المجاني دون تسوية عادلة.

رابعاً: دلالات الاعتراف من داخل البيت الإسرائيلي

تكمن أهمية مقال روبيك روزنتال في أنه يمثل “شهادة من داخل الصف”، تعكس حجم المأزق الوجودي الذي يعاني منه الكيان. فعندما يكتب مثقف وصحفي إسرائيلي بهذه المjالية والجرأة، فإنه يعبر عن تيار متزايد داخل النخب الإسرائيلية التي أدركت أن القوة العسكرية المفرطة والبطش المطلق لا يمكنهما صناعة “أمن حقيقي” أو شطب حقوق شعب بأكمله يقاتل من أجل بقائه.

خلاصة: إن مقال روزنتال ليس مجرد قراءة عابرة لمشهد سياسي، بل هو جرس إنذار مبكر ومؤلم يقرعه أصحاب العقل الواقعي في إسرائيل، محذرين قومهم من أن الغطرسة العسكرية قد تقودهم إلى تدمير مشروعهم من الداخل، وأن التاريخ لا يرحم الكيانات التي تعجز عن قراءة مآلات أفعالها واستحقاقات بقائها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك