لماذا نقرف من الاشياء
اسمهان عصام
نعيش حياتنا اليومية ونحن نرتدي عباءة المنطق، وندعي لأنفسنا القدرة التامة على التمييز بين ما هو نظيف وما هو قذر، بين ما هو مقبول وما هو مرفوض. لكن نظرة واحدة فاحصة على تفاصيل تفاعلاتنا البسيطة تكشف عن مفارقات مذهلة وتناقضات صارخة؛ تناقضات نمر عليها مرور الكرام لأننا أدمنا العيش في كنفها حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من طبيعتنا المبرمجة.
تخيل يا رعاك الله أنك قد:
- تتقبل تقبيل زوجتك بكل مودة، ولكنه يزعجك حقاً أن تشرب من زجاجة مائها!
- تتناول طعاماً من عربية كبدة شعبية في الشارع فتتلذذ به وتثني على حلاوته، رغم يقينك الباطن بأنه يستحيل أن يكون كبدة حقيقية.. غير أنك إن دخلت مطعماً فخماً ووجدت على الطاولة قطرتين من الماء، أقمت الدنيا ولم تقعدها متذمراً من “غياب النظافة”!
- تشمئز تماماً من شرب كوب ماء من الصنبور.. لكنك تأكل بمنتهى الرضا خضراوات وفاكهة مغسولة ومبلولة بالماء ذاته!
- ترفض تماماً غسل وجهك بماء غسل أحدهم قدميه قبله.. لكنك تنزل وتغوص بكل ارتياح في مسبح يمتلئ بالبشر الذين يستحمون فيه، دون أن تدري شيئاً عن أحوالهم الصحية أو ما فعلوه في الماء!
- تأنف من مسح يديك بمنشفة تبدو رثة قليلاً لكنها مغسولة.. في حين أنك تقبض بكل عادية على أوراق النقد التي طافت بجيوب وأيدي آلاف البشر ممن قد لا يغسلون أيديهم بعد قضاء الحاجة، لتتناول بعدها شطيرة بنفس اليد!
- تشمئز جداً من تناول تفاحة يبدو شكلها معوجاً أو فيها عيب طفيف من الشجرة.. لكنك تتناول بمنتهى الشهية النقانق واللحوم المصنعة المصنوعة حرفياً من بقايا وعظام وفضلات اللحوم المفرومة، لمجرد أن شكلها النهائي قد غُلّف ورُتّب في الإطار المعتاد الذي تألفه!
- تأكل “الفسيخ” وتستمتع برائحته وتعتبره متعاً خاصة.. بينما تشمئز وتستنكر وتنتقد شعوباً أخرى تأكل الضفادع أو الحشرات!
- تكاد روحك تزهق إن سعل أحدهم أو تنفس في وجهك.. غير أنك تقضي ساعات طويلة في مقهى مغلق وأنت تدخن، مستنشقاً بملء رئتيك الهواء والدخان الخارج من رئات كل الجالسين حولك بكل ما يحمله!
- ترى رجلاً يضرب زوجته ويهينها في الشارع فتتجاهل الأمر وتقول “لا يعنيني، فهذه مشاكل عائلية”.. بينما إن رأيته يمسك بيدها أو يعانقها، ثرت في وجهه وفضحته بحجة “خدش الحياء العام”!
فما هو الصح وما هو الخطأ؟ ومن ذا الذي يحدد المعيار؟
للأسف، لا توجد معايير ثابتة وواضحة؛ فنحن لسنا سوى كائنات “متبرمجة” نشأت وترعرعت على عادات اكتسبتها وتلقنتها كما هي حتى أضحت مسلّمات لا تقبل النقاش.
الحقيقة الموجعة هي أننا لا نقرف من “الشيء” ذاته، بل نقرف من “الشكل” الذي اعتدنا أن يُقدم به ذلك الشيء. فلو غلفنا ما نقذره في علبة مألوفة أو وضعناه في إطار ألفناه، لقبلناه وابتلعناه ونحن في غاية السرور.
إن كل واحد منا أسير لأفكار غُرست في أعماقه، ولأفكار أخرى تعاكسها تماماً، ومع ذلك فهو يتعايش مع هذا التناقض مقتنعاً بصواب موقفه. لذا، فليستحِ كل منا من الادعاء بأنه يحتكر معياراً ثابتاً، لأننا ببساطة نقبل ونرفض تبعاً لـ “التعود”.. لا تبعاً لـ “الحقيقة”!



إرسال التعليق