الاقتصاد العراقي عارياً
سعد احمد الكبيسي
لم يكن الاقتصاد العراقي سليماً ثم أصابته الأزمة فجأة، بل كان يعاني منذ سنوات، غير أن وفرة النفط وتدفق الأموال أخفيا كثيراً من عيوبه. وحين اضطرب مسار الدولار انكشف المستور، وظهر الاقتصاد العراقي عارياً. فالمشكلة ليست في الدولار وحده، وإنما في اقتصاد يعتمد على النفط، وينفق موارده على الرواتب والمشاريع والاستيراد، بينما بقي الإنتاج المحلي ضعيفاً. ويزداد الأمر تعقيداً مع الاقتصاد الموازي وشبكات المصالح التي قد تتخفى أحياناً خلف إجراءات تبدو قانونية، بينما تكون نتائجها بعيدة عن المصلحة العامة.
وهنا يبرز السؤال الأصعب: هل يمكن إصلاح هذا الحال في ظل حكومات متعاقبة، إذا بقيت بعض العقليات أسيرة منطق المعارضة والمواجهة والاصطفاف السياسي والمذهبي؟ إن الاختلاف السياسي حق مشروع، لكن إدارة الدولة بعقلية الغلبة تجعل المصلحة العامة رهينة للصراع، وتؤجل القرارات الضرورية لبناء اقتصاد منتج. العراق يحتاج إلى عقلية دولة تضع المواطن والإنتاج والمصلحة العامة فوق الحسابات السياسية.
إن الإصلاح يبدأ بتجفيف منابع الهدر، ومراجعة الامتيازات والرواتب التقاعدية الممنوحة للمسؤولين السابقين ممن لا يستند استحقاقهم إلى خدمة فعلية، وفق مراجعة قانونية عادلة، وتحقيق العدالة في الأجور، وتخفيض رواتب الرئاسات الثلاث والوزراء والنواب، وإنهاء ازدواج الرواتب والامتيازات غير المستحقة، بما فيها الملفات التي يثار حولها جدل بشأن رواتب رفحاء، وفق القانون ومعايير موحدة لا تستثني أحداً.
ويتطلب الإصلاح ضغط مشتريات دوائر الدولة وترشيدها، وإلغاء المؤتمرات والدورات الصورية والإنفاق الذي لا يحقق منفعة عامة، على أن تستند التخفيضات إلى مراجعة فعلية للاحتياجات لا إلى نسب اعتباطية. كما ينبغي إغلاق المنافذ الحدودية غير الرسمية، وضبط المنافذ الرسمية، وتفعيل دور ديوان الرقابة المالية في تدقيق العقود والإنفاق ومصادر ثروات المسؤولين منذ عام ٢٠٠٣، وفق مبدأ «من أين لك هذا؟» وبإجراءات قضائية ورقابية تضمن العدالة والشفافية.
ولا تكتمل هذه الخطوات من دون وقف تهريب الدولار، ومراقبة التحويلات المشبوهة، وتعزيز الرقابة على المصارف، وحماية العملة الصعبة من الاستغلال، بما يحفظ استقلال القرار الاقتصادي الوطني. وفي الوقت نفسه، يجب توجيه الأموال التي تُوفَّر إلى الصناعة والزراعة والطاقة والبنية التحتية والمشاريع الصغيرة، لتوسيع فرص العمل وتقليل الاعتماد على الاستيراد والنفط وحدهما.
لكن الإصلاح لا يتحقق بقرار حكومي واحد؛ بل يحتاج إلى إعلام يراقب، ومجتمع يسأل، ومؤسسات تحاسب، وضغط مستمر بالوسائل القانونية والسلمية. فلا ينبغي أن تتحول أزمة الدولار إلى فورة إعلامية تنتهي بعد أيام، بينما تبقى أسبابها قائمة.
فالخاسر من استمرار هذا الوضع هو المواطن: العاطل عن العمل، والفقير، وصاحب الدخل المحدود، والشاب الذي ينتظر فرصة، والأسرة التي يثقلها الغلاء. والأخطر أن ترث الأجيال القادمة بلداً غنياً بالموارد، لكنه مثقل بالبطالة والفقر والديون وضعف الإنتاج، فلا تجد من ثرواته ما يسد رمقها.
الاقتصاد العراقي عارياً ليس مجرد عنوان لأزمة دولار، بل كشفٌ لخلل يحتاج إلى مواجهة جادة. والسؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً: كيف نبني اقتصاداً لا يكون مستقبل العراقي فيه رهينة للدولار أو للنفوذ أو للصراع السياسي؟ هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.
جمعة طيبة مباركة



إرسال التعليق