هل حقاً الجزائري لا يحب الفن التشكيلي؟

كريمة حسناوة

كثيراً ما تتردد في الأوساط الثقافية والإعلامية مقولة جاهزة مفادها أن “الجمهور الجزائري زاهدٌ في الفن التشكيلي ولا يتذوق اللوحة”. وهي حكمٌ سريعٌ ومسطّح يفتقر إلى التفكيك النفسي والاجتماعي لطبيعة العلاقة بين المواطن الجزائري والفنون البصرية.

إن الحقيقة السيكولوجية تؤكد أن الجزائري ليس جافاً بائساً تجاه الفن، بل هو كائن مشبع بالبصريات والجماليات، لكنه يمارس تذوقه بطريقة مختلفة كلياً عن النمط الأكاديمي الغربي التقليدي.

تفكيك هذه الظاهرة يكشف عن عدة أبعاد تشرح طبيعة هذه العلاقة المركبة:

1. الفن كعاطفة حية وليس كطقس ممتد في “الجاليري”

الجزائري بطبعه كائن انفعالي، يميل إلى الفنون التي تخاطب عاطفته ومحيطه المباشر بوضوح وصخب، كالموسيقى والمسرح والسينما. أما “معارض الفن التشكيلي” النمطية—بغرفها البيضاء المظلمة وصمتها المريب—فهي بيئة تشعره غالباً بـ “الاغتراب الطبقي” أو التكلف الأكاديمي. الجزائري لا يكره “اللوحة”، بل يكره النخبوية الاستعراضية التي تحيط بها، والتي تجعل الفن يبدو كأنه لغة مشفرة مخصصة لطبقة معينة فقط.

2. التذوق البصري الفطري في الحياة اليومية

لو تأملنا تفاصيل الشارع والمخيال الجمعي الجزائري، لسقطت مقولة “عدم حب الفن”. الجزائري متذوق أثيل للألوان والتكوينات؛ تجد ذلك متجلياً في هندسة الزخرفة المعمارية للقصبات والمساجد القديمة، في زركشة الزربية التقليدية (كالزربية الأمازيغية والنموشية)، وفي الدقة الفائقة لصناعة الحلي واللباس التقليدي (الكاراكو والجبة القبائلية). هذا كله “فن تشكيلي مجسد” يمارسه الجزائري ويعيشه كجزء من هويته اليومية دون أن يحتاج لتأطيره داخل إطار خشبي معلق على جدار.

3. أزمة الجسر بين الفنان والجمهور

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في ذائقة المتلقي، بل في أزمة القطع بين التشكيل الحديث والواقع المحلي. المدرسة التشكيلية الجزائرية أنجبت قممًا عالمية من طراز محمد راسم، باية محي الدين، وإسياخم؛ لأن هؤلاء غاصوا في عمق الهوية والألم والجمال الجزائري، فخاطبوا الوجدان المباشر للناس. أما حين يبتعد الفنان المعاصر عن نبض الشارع وينكفئ على التجريد الغامض لمجرد تقليد المدارس الغربية، ينفصم الرباط النفسي، ويشعر المواطن البسيط بأن هذه الأعمال لا تعبر عنه ولا تمس قضاياه.

4. غياب التربية الجمالية والمؤسساتية

على المستوى التربوي والنفسي، يعاني المجتمع من غياب مادة التربية الفنية البصرية في المناهج التعليمية بالشكل الكافي الذي ينمي “الذكاء البصري” منذ الصغر. المدرسة لم تعود الطفل على قراءة اللوحة وفهم التفكيك التشكيل للألوان والظلال، كما أن المعارض الفنية تظل مركزية ومحصورة في المدن الكبرى دون أن تمتد إلى الأحياء الشعبية والمناطق النائية.

إن القول بأن الجزائري لا يحب الفن التشكيلي هو ادعاء ظالم يتجاهل مخزوناً حضارياً بصريةً هائلاً. الجزائري يملك عيناً لا تخطئ الجمال وشغفاً صادقاً بالتعبير، لكنه يحتاج فقط إلى فن تشكيلي ينزل من أبراج النخبوية العاجية ليصافحه في الشارع، ويخاطب هويته، ويحكي قصته بلسانٍ يفهمه قلبه قبل عقله.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك