هل وقعت باكستان في المستنقع اليمني؟

العميد عبد اللطيف نواس بلجي

في قواميس الفن العسكري والعقيدة الاستراتيجية، تُقاس التحركات الكبرى للدول لا بالتصريحات الدبلوماسية المعلنة، بل بحجم التموضع الميداني وما تفرضه وقائع الاشتباك من تحولات قسرية. لأسابيع طويلة، حافظت إسلام آباد على شعرة معاوية، رافضةً بشتى الطرق الانخراط المباشر في أتون الحرب اليمنية، ومفضلةً لعب دور الوسيط الحذر أو الحليف الممتنع عن إرسال قوات قتالية برية، إدراكاً منها لخطورة الجغرافيا اليمنية وما تملكه من قدرة على ابتلاع الجيوش وتحويلها إلى أوراق استنزاف طويلة الأمد.

غير أن رياح الميدان تأتي بما لا تشتهيه سفن الدبلوماسية؛ فالتطور الأخير المتمثل في استهداف قوات صنعاء لمطار عدن –والذي تشير المعطيات الأولية إلى تواجده كبؤرة لتموضع عسكري أجنبي يضم عناصر وقوات مشتركة بينها أطراف باكستانية– يمثل نقطة تحول كبرى. هذا القصف النوعي لا يعكس مجرد رسالة نارية عابرة، بل ينسف تماماً فرضية “النأي بالنفس” أو الاكتفاء بالدعم اللوجستي الصامت، ليضع المؤسسة العسكرية الباكستانية وجهاً لوجه أمام حقيقة الانخراط المباشر في صراع دموي ومعقد.

صمت إسلام آباد: حسابات التكلفة الباهظة

إن غياب التصريح الرسمي الباكستاني حول طبيعة هذا التواجد وسقوط ضحايا يفسره “منطق الأمن القومي المتقاطع”. فتكاليف التورط المباشر في اليمن بالنسبة لإسلام آباد باهظة للغاية وتتحرك على ثلاثة جبهات شديدة الحساسية:

  1. الداخل الباكستاني والنسيج المذهبي: إن أي خسائر بشرية في صفوف القوات الباكستانية على الأراضي اليمنية ستنعكس فوراً على الشارع الداخلي، حيث الحساسية المفرطة بين الغالبية السنية والأقلية الشيعية. تحويل باكستان إلى طرف محارب في اليمن يهدد بإيقاظ فتنة طائفية نائمة ومستنقع داخلي لا تحمد عقباها.
  2. الجار الإيراني الاستراتيجي: تدرك إسلام آباد أن الحدود المشتركة والمصالح الحيوية مع طهران لا تحتمل الاستفزاز المباشر عبر التورط في محاور إقليمية تصطدم بالعمق الاستراتيجي الإيراني، مما قد ينقل التوتر إلى الخاصرة الرخوة لباكستان (إقليم بلوشستان).
  3. التجارة والموانئ: أي تصعيد عسكري مباشر يجعل من المصالح والموانئ الباكستانية عرضة لردود فعل استراتيجية، ويهدد خطوط الإمداد والتجارة الخارجية المعتمدة أساساً على الاستقرار الإقليمي.

قراءة في تداعيات الضربة وحجم الخسائر

حتى اللحظة، يلف “ضباب الحرب” التفاصيل الدقيقة لحجم الخسائر البشرية والمادية في مطار عدن، وهو أمر معتاد في العمليات التي تمس قوات أجنبية غير معلنة رسمياً. إلا أن المؤشرات المستقاة من رصد طبيعة الضربات وواسع نطاقها في مسرح عمليات الجنوب والشرق تشير إلى استهداف بنى تحتية عسكرية نوعية وتجهيزات لوجستية لتمويل أجنبي. هذا يعني أن الضحايا قد يُمثلون “صدمة صامتة” لقيادة الجيش الباكستاني، وجرعة إضافية من الضغط لإعادة تقييم جدوى البقاء تحت سقف نيران لا تبقي ولا تذر.

السيناريو الأخطر: ماذا لو تورطت باكستان رسمياً؟

إذا ما استدرجت إسلام آباد لتأكيد هذا الانخراط وتحويله إلى وجود عسكري رسمي ومستدام، فإننا سنكون أمام فصل جديد من سيناريو “المستنقع اليمني”. تأثير ذلك على النسيج الاجتماعي الباكستاني سيكون زلزالياً، إذ سيعيد توجيه الانقسامات السياسية والحزبية نحو أتون الاستقطاب الطائفي، ويضع الجيش الباكستاني أمام معضلة حماية حدوده وجبهاته التقليدية (كالهند وأفغانستان) بينما ينزف بشرياً في ساحة تبعد آلاف الأميال.

إن الصحافة الدولية بدأت ترفع الغطاء تدريجياً عن خطورة هذا الاختراق الميداني، مما يفرض على صانع القرار في إسلام آباد قراءة دقيقة لبوصلة الخطر قبل أن تغوص أقدام المؤسسة العسكرية في رمال اليمن المتحركة، وحينها لا ينفع الندم ساعة الإقلاع من حافة الهاوية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك