اخر الاخبار

3 أيام في دهليز التحقيق بالمخابرات

العميد جنرال عبد اللطيف نواس بلجي

3 أيام في دهليز التحقيق بالمخابرات (الحلقة 1 من 06)

رائحة الرطوبة وأول الساعات

لم تكن الحرب في الهند الصينية مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين يرتديان زيّاً منتظماً في الميدان، بل كانت صراعاً استخباراتياً معقداً يُدار في الظلام، حيث تُخاض أشرس المعارك داخل غرف مغلقة لا يدخلها الهواء، ولا تُسمع فيها سوى الهمسات وأصوات السلاسل.

في صبيحة يومٍ مطير من عام 1952، في أوج الحرب الفيتنامية الأولى، أُقتيد “نجوين”، وهو فلاح بسيط من قريته المحاذية لنهر دلتا الميكونغ، بتهمة الاشتباه في توفير المؤن وتمرير الرسائل لكتائب الـ “فيت مينه”. لم تكن التهمة موثقة بأوراق، بل كانت مجرد وشاية من مخبرٍ محلي يسعى لنيل القليل من المال أو الحماية من السلطات الاستعمارية.

أُنزلت الغشاوة السوداء عن عينيه ليجد نفسه في دهليز كئيب تحت الأرض، يتبع للفرع الثاني في المخابرات العسكرية الفرنسية (Deuxième Bureau) بمقر الإدارة في سايغون. كانت الجدران الأسمنتية تنضح برطوبة خنقها انعدام التهوية، وصوت قطرات الماء المتساقطة من أنبوب مكسور يضبط إيقاع الرعب المنتظر.

جلس نجوين على كرسي حديدي بارد. أمامه طاولة خشبية تهالكت أطرافها، وفوقها مصباح يرسل إشعاعاً أصفر حاداً يخترق العتمة وينغرس في عينيه المجهدتين. لم يكن في الغرفة سوى المصباح ورائحة العفن الممزوجة برائحة التبغ الرخيص.

دخل الضابط المحقق، وهو ضابط برتبة نقيب يُدعى “دوبوا”. لم يكن المظهر الخارجي للنقيب يشي بالعدائية؛ كان يرتدي زياً عسكرياً مكوياً بدقة، ويحمل في يده ملفاً أصفر ناصعاً. جلس بهدوء، أخرج سيجارة، وأشعلها ببطء وهو يتأمل نجوين دون أن ينطق بكلمة واحدة لمدة عشر دقائق كاملة.

كان هذا الصمت الممتد هو خط الدفاع الأول في استراتيجية “المكتب الثاني” لكسر الجدار النفسي للمعتقل. الصمت في دهاليز التحقيق ليس فراغاً، بل هو مساحة ثقيلة يملؤها المعتقل بنفسه عبر افتراض أسوأ السيناريوهات.

بدأ دوبوا الحديث بصوت هادئ، وبفرنسية مترجمة عبر مترجم محلي يرتعد خوفاً هو الآخر: “أنت هنا يا نجوين لأنك تعرف الطريق إلى المعسكر رقم 4 في الغابة. نحن لا نريد حياتك، نريد فقط الأسماء والمسارات”.

رد نجوين بصوت خافت وهو ينظر إلى الأرض: ” أنا مجرد مزارع أرز يا سيدي.. لا أعرف سوى حقولي وأطفالي”.

ابتسم النقيب دوبوا ابتسامة باردة، أطفأ سيجارته في المنفضة الخشبية، وقام من كرسيه يتجول خلف ظهر نجوين. تمتم بصوت منخفض: “اليوم الأول دائماً يدور حول الإنكار يا نجوين.. لكن الساعات في هذا الدهليز تتمدد، والذاكرة تحت الضغط تبدأ في التذكر”.

انتهت السلسلة الأولى من الأسئلة البدائية دون استخدام أي قوة بدنية، لكن نجوين أُعيد إلى زنزانته الضيقة وهو يدرك تماماً أن هذه الهادئة التي سبقت العاصفة ليست إلا بداية الرحلة في أعماق دهليز المخابرات.

(تنويه: هذه هي الحلقة الأولى من سلسلة مقالات مفصلة تتكون من حلقات حول وقائع التحقيق في المكتب الثاني أثناء حرب الهند الصينية).

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك