تسقط الأقنعة، ولكن… بعد زوال المال والمنصب!

رشيد مصباح (فوزي)

–

التقيتُ بأحد معارفي، فبادرني:

«عرضك خالك للعرس؟»

ذكّرني كلامه بما قاله الناس اللوالا:

«كي راحت يُمّة راحو خوالي!»

كيف تريد أن تميّز الصديق من العدو، والوفيّ من الخائن، والصادق من المتملّق، وأنت تملك المال أو المنصب؟

حين تكون لك واحدة من هذين، يصبح من الصعب جدًّا أن تعرف الناس على حقيقتهم.

الجميع يقترب…

الجميع يتودّد…

الجميع يجامل…

الجميع يبتسم.

وقد يخاف منك بعضهم، ويحتاج إليك بعضهم، ويطمع في شيء عندك بعضهم الآخر… فتختلط عليك الأمور، حتى تكاد تصدّق أن كل هؤلاء يحبّونك لذاتك.

وهذا بالضبط ما توصّلتُ إليه بعد سنوات من التجارب.

كنتُ أسمع عن مثل هذه الأمور من قبل، لكنني كنتُ أظنها مجرّد كلام يُقال للتسلية، أو عزاء للنفس، أو نوعًا من التشاؤم الذي يبرّر به الناس خيباتهم.

كنتُ أسمع من يقول:

«لا تعرف حقيقة الناس إلّـا عندما تفقد ما كان يجمعهم بك.»

وكنتُ أسمع:

«إذا أردت أن تعرف من يحبّك فعلًـا، فانظر من يبقى إلى جانبك عندما لا يعود لديك ما تمنحه له.»

لكنني لم أكن أستوعب المعنى كاملًـا.

حتى عشتُه.

وحين تعيش الشيء بنفسك، تختلف الحكمة عن سماعها ألف مرة.

عندها فحسب، تكتشف أن الوجوه التي كنا نراها، وربما كنا نطمئن إليها، ليست دائمًا وجوهًا حقيقية؛ فقد تكون أقنعة.

وأحيانًا تكون الأقنعة محكمة إلى درجة أننا لا نكتشفها إلّـا عندما تتغيّر الظروف.

عندما يختفي المال…

عندما يزول الجاه…

عندما تنتهي السلطة…

عندما تتقاعد…

عندما تصبح، ببساطة، إنسانًا لا يملك في يده شيئًا يمكن أن يحتاجه الآخرون…

هناك تبدأ الحقيقة في الظهور.

كان لي صديق وزميل في الوقت نفسه، رحمه الله. خرج من بعدي إلى التقاعد بسنوات قليلة.

كان شخصًا متواضعًا، طيّب المعشر، صاحب أخلاق مميّزة، وكان الجميع تقريبًا يظهرون له المحبة ويتودّدون إليه.

وكان، بحسن نيّته ونقاء قلبه، يعتقد أن تلك المحبّة حقيقيّة.

لم يكن يشك في أحد.

ولم يكن يرى وراء الابتسامات مصالح خفية.

ثم جاء يوم التقاعد.

وفي اليوم الذي خرج فيه من الوظيفة، خرجت معه أشياء كثيرة لم يكن يتصوّر أنها مرتبطة بها.

بدأ يلاحظ أن بعض الوجوه لم تعد كما كانت!

وكان كلما التقيتُ به، يبدي ندمًا شديدًا على خروجه إلى التقاعد.

وأتذكر الآن عبارة قالها لي مجاهد، عمّي أحمد رحمه الله، كانت لي به علاقة.

كان رجلًـا معروفًا بصراحته.

لا يحابي أحدًا، ولا يجامل أحدًا، حتى لو كان صديقًا مقرّبًا منه.

قال لي ذات يوم:

«خذ حذرك، رشيد ولدي… الناس تمشي على كروشها في هذا الزمان.»

وكان يردّدها كلما همّ بالانصراف من مكتبي.

كنتُ أسمعها منه، لكنني لم أفهمها كما ينبغي.

كنتُ أظنها واحدة من تلك العبارات التي يقولها الكبار بعدما عاشوا طويلًـا واختبروا الناس كثيرًا.

أما اليوم…

فأكاد أسمع صوته من جديد:

«خذ حذرك، رشيد ولدي…»

اليوم فقط فهمتُ.

هناك كلام لا تفهمه عندما تسمعه.

تحتاج إلى سنوات، وأحيانًا إلى جراح، حتى تكتشف أن صاحب الكلام لم يكن يتفلسف.

كان يحذّرك.

وقد يقول قائل: أليس في هذا ظلم للناس؟

بلى.

فالناس ليسوا سواء.

وفيهم الأوفياء، وفيهم الصادقون، وفيهم من يحب الإنسان لذاته لا لما يملك.

لكن المشكلة أن الإنسان لا يستطيع دائمًا أن يميّز هؤلاء من أول الطريق.

فالزمن وحده يكشف أحيانًا ما لا تكشفه الكلمات.

والشدائد تفعل ما لا تفعله سنوات من المجاملات.

والابتعاد يكشف من كان يحبك أنت، ومن كان يحب موقعك.

والتجرّد من المصالح يكشف العلاقات التي كانت قائمة على المصلحة.

ولقبيصة بن المخارق رضي الله عنه صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد جاء إليه، فأكرمه وبسط له رداءه وقال له:

«مرحبًا بخالي».

فقال قبيصة:

«يا رسول الله، رق جلدي، ودق عظمي، وقل مالي، وهنتُ على أهلي…»

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لقد أبكيت بما ذكرت ملائكة السماء.»

ما أعمق هذه الكلمات.

فليس الإنسان قويًّا دائمًا.

ولا غنيًّا دائمًا.

ولا قادرًا دائمًا.

يأتي يوم يرقّ فيه الجلد، ويدقّ فيه العظم، ويقلّ فيه المال، ويشعر الإنسان أنه لم يعد كما كان.

وربما كان أصعب ما في تلك اللحظة ليس فقدان المال أو الجاه…

بل اكتشاف من بقي، ومن رحل.

ومع ذلك، لا أريد أن ألوم أحدًا.

لا قريبًا، ولا صديقًا، ولا بعيدًا لا أعرفه.

لقد تولّدت لديّ قناعة راسخة بأن الإنسان لا يعرف بعض حقائق الحياة إلّـا عندما يمرّ بها.

ولو بقيت الظروف كما هي، وربما بقيت الوجوه نفسها حولي، لما كنتُ قد فهمتُ ما أفهمه اليوم.

فالتجارب، مهما كانت قاسية، تعلّمنا.

والخذلان، مهما كان مؤلمًا، يكشف لنا شيئًا لم نكن نراه.

والأيام التي نظن أنها أخذت منا شيئًا، قد تكون في الحقيقة قد أعطتنا معرفة لا تُشترى بالمال ولا بالمنصب.

لذلك لا ألوم أحدًا.

لكنني أتمنى أحيانًا لو عادت تلك الأيام…

لأعيش بعض اللحظات مرة أخرى، قبل أن أعرف ما أعرفه الآن.

ولكن…

عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء.

والإنسان لا يستطيع أن يعيش عمره مرّتين.

وربما لهذا السبب يكون بعض الحنين مؤلمًا إلى هذا الحد:

فأنت لا تفقد الآخرين فحسب…

بل تفقد شيئًا من نفسك التي كانت تثق بهم.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك