اخر الاخبار

هل يمكننا التواصل مع الموتى

محمد عبد الكريم يوسف

ضمن أطر المنهج العلمي التجريبي الحالي، لا يوجد دليل موثوق يثبت أن الأحياء يمكنهم إجراء اتصال
حقيقي وموضوعي مع الموتى. لكن دراسة هذه الظاهرة، بسبب اتصالها الوثيق بتجربة الحزن الإنسانية
الواسعة النطاق والأسئلة الوجودية، شكلت موضوعًا دائمًا لأبحاث متعددة التخصصات في علم النفس
وعلم الأعصاب وعلم اجتماع الدين. يمكن تقسيم المعرفة البحثية الأكاديمية ذات الصلة إلى مسارين:
“التفسير الفيزيائي/الفسيولوجي” و”التفسير النفسي/الاجتماعي”.

أولاً، حدود البحث العلمي: عدم وجود أدلة إيجابية وعدم تناسق المنهجية
في العقود الأخيرة، استخدم العلماء التصميم التجريبي المزدوج التعمية للتحقق من صحة المعلومات التي
يقدمها الوسطاء الروحيون. النتائج عادة ما تكون متناقضة وغير حاسمة. على سبيل المثال، في دراسة
حالة نُشرت عام 2025 في مجلة الطب النفسي عبر الثقافات، حاول وسيط برازيلي تحت الملاحظة
الخاضعة للرقابة إنتاج رسالة من ابن متوفى إلى والديه، حيث أنتج 19 بندًا من المعلومات، منها 6 فقط
اعتُبرت “محددة وقابلة للتحقق”. هذا التصميم نفسه يعكس وجود صعوبات منهجية كبيرة في التحقق من
المعلومات: كيف نفرق بين الظواهر الخارقة للطبيعة والمعلومات المستنتجة من التفاعلات اليومية أو
التلميحات غير الواعية؟ يجدر بالذكر أن هذه الدراسة اختبرت أيضًا التوقيع المزعوم للابن، ووجدت أنه
على الرغم من أوجه التشابه العامة، كانت الاختلافات في التفاصيل واضحة.
من منظور الفيزياء وعلم وظائف الأعضاء الأساسي، تعتمد أي عملية اتصال على وسيط مادي مشترك
(مثل الموجات الكهرومغناطيسية أو الجسيمات). حياة ما بعد الموت الروحية المزعومة، لأنها غير
مرتبطة بالجسد المادي، تفتقر إلى أساس نظري لآلية التفاعل المادي مع الأحياء. في الفكر الفلسفي
الكلاسيكي، اعتُبر هذا النوع من “التواصل بين حالتين مختلفتين تمامًا” مستحيلًا أساسًا، لأن القدرات
الحسية تنتمي فقط إلى حالة الكيان المحددة، وبمجرد أن يترك الكيان الجسد المادي، فإن قدراته على
الإدراك الحسي والحركة تصبح إمكانات خاملة، ولا يمكنها التواصل مع الأحياء في العالم المادي.

ثانيًا، التفسير الفسيولوجي والعصبي: حالة الدماغ في “المحادثة الروحية”
المشهدان الوحيدان اللذان يظهر فيهما “الاتصال بالموتى” بشكل موضوعي في المختبر هما ادعاءات
الوسطاء الروحيين والذكريات النابضة للأشخاص العاديين.
بالنسبة للوسطاء الروحيين، سجلت دراسة نشرت عام 2025 في Zenodo إشارات EEG لسبعة
وسيطات أثناء دخولهن في حالة “تصور التواصل مع أرواح الموتى”. على الرغم من أن حجم العينة
صغير (7 أشخاص)، إلا أن النتائج أظهرت اتجاهًا مثيرًا للاهتمام: في حالة “تصور” الأرواح المزعومة،
زاد نشاط موجات Beta-Gamma (25-45Hz) في جميع أنحاء القشرة الدماغية، وزاد التزامن بين
نصف الكرة المخية الأيسر والأيمن (p=0.07، غير دال إحصائيًا بسبب العينة الصغيرة). يشير هذا

الاتجاه عادة إلى زيادة في اليقظة المركزة أو الجهد الإدراكي. ببساطة، بدلاً من أن يكون الدماغ في حالة
“مستقبلة” سلبية، كان في حالة نشاط معرفي مرتفع. هذا يحيل “التواصل” إلى قدرة إدراكية ذاتية داخلية.
بالنسبة للشخص العادي، تكون تجارب “الاتصال بالموتى” أكثر شيوعًا في الأحلام. أظهر بحث ميداني
طويل الأمد في صربيا أن “ظهور” الموتى في الأحلام يُفسر على أنه شكل مهم من أشكال “التواصل بين
هذا العالم والعالم الآخر”، ويمكن تصنيفه إلى عدة أنواع: الموتى غير الراضين (الذين يحتاجون إلى
إكمال الطقوس)، إظهار الآخرة، إبلاغ الحالم بمغادرتهم النهائية أو نقل التحذيرات والنصائح المتعلقة
بالواقع الاجتماعي للحالم. ومن منظور علم الأعصاب، هذا نشاط طبيعي لدماغ الحالم أثناء حركة العين
السريعة (REM)، ويُعزى “استمرار العلاقة” إلى تكامل الحالم اللاشعوري للعلاقة العاطفية مع المتوفى.

ثالثًا، النموذج النفسي “استمرار العلاقة” (Continuing Bonds) والوظيفة الحزينة
هذا هو المنظور الأكثر قبولًا وقيمة في الأوساط الأكاديمية الحالية. يحول الانتباه من “هل هو حقيقي؟”
إلى “ماذا يعني للمفجوعين؟”
تقول نظرية “استمرار العلاقة” أن محاولة الأحياء التواصل مع الموتى ليست بالضرورة “وسواسًا”
مرضيًا، بل يمكن أن تكون شكلًا من أشكال إعادة بناء العلاقة العاطفية المستمرة بشكل صحي. تشمل هذه
“العلاقة الداخلية” التذكر العقلي، أو تكرار تعاليم المتوفى، أو الشعور بالحضور خلال لحظات معينة من
اليوم. أظهرت الأبحاث أن هذه التجارب “الاتصالية” (التي تسمى “الاتصال بعد الموت” أو ADC) تحدث
بشكل غير عادي: في أحد الاستطلاعات، أبلغ 24% من المستجيبين أنهم واجهوا متوفى خلال تجربة
الخروج من الجسد (OBE). يُنظر إلى ADC على أنه يلبي احتياجًا عميقًا للحزين لا يمكن أن تلبه بسهولة
طرق الإرشاد التقليدية للفجيعة، لذلك يستمر الأشخاص المفجوعون في السعي لتحقيق ذلك من خلال
الوسطاء، الشامانية، EMDR (إزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة)، بل وحتى مواد مثل
المؤثرات العقلية.

رابعًا، المنظور الديني والثقافي
تعترف مختلف التقاليد الدينية، رغم اختلاف مواقفها، بأن هذا النوع من التواصل هو مجال محظور أو
صارم للغاية. يحظر الكتاب المقدس في التقليد المسيحي بشدة أي ممارسة للاتصال بالموتى، ويعتبر أن
أي “اتصال” هو خداع للشياطين أو الذات، ويقبل فقط “التواصل بين القديسين” غير المباشر من خلال
الصلاة (أي الصلاة من أجل بعضهم البعض). في الفقه الإسلامي، رأي بعض العلماء المعاصرين هو أن
العلاقة بين الأحياء والأموات تقتصر على أعمال الحج والدعاء والصدقة وغيرها من “الحسنات” التي
تنقل المكافآت، وليس الحوار المباشر مع الأرواح. يعتبر علماء الفقه الأرثوذكسي المتشددون أن مزاعم
“رؤية الموتى” في اليقظة هي خداع شيطاني (أي تجلي الشيطان في شكل المتوفى)، وليس ظاهرة
حقيقية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك