من يحكم إيران .. فجوة التفويض: حين يغيب أثر المرشد؟

د. حسام البدري

لم يعد السؤال الأكثر أهمية في إيران: أين المرشد الاعلى السيد مجتبى خامنئي؟ بل: هل انتقل إليه منصب المرشد أم انتقلت معه مركزية القرار التي جعلت المرشد طوال عقود نقطة النهاية في هرم السلطة الإيرانية؟

هذه ليست مفارقة فلسفية، بل سؤال في بنية النظام. ففي العلوم السياسية، لا تُقاس السلطة فقط بالصلاحيات الدستورية، وإنما بـ«قابلية الإسناد»: هل يمكن عند وقوع قرار استراتيجي تحديد مَن أجازه، ومن يستطيع إلزام بقية المؤسسات به؟

وما يجري بين نيويورك وطهران نموذج كاشف.

فالوفد الإيراني الموجود منذ يوم امس في نيويورك وُصف بأنه يمتلك «صلاحية كاملة» لمتابعة المسار الدبلوماسي مع الولايات المتحدة. لكن روايات خرجت من داخل إيران، بينها ما نشرته «تسنيم» القريبة من الحرس الثوري، شككت في حدود هذا التفويض. ثم انتقل السؤال إلى البرلمان، حيث طالب نواب بمساءلة وزير الخارجية عباس عراقجي عن الأساس الذي سمح له بالدخول في هذه الاتصالات: من فوّضك؟

الدلالة هنا أعمق من عراقجي.

لأن السؤال الذي يطرحه البرلمان على وزير الخارجية يمكن إكماله بسؤال أعلى منه: إذا كان البرلمان نفسه يبحث عن مصدر التفويض، فأين المرجعية العليا التي يفترض أن يكون التفويض صادراً عنها؟

وهنا تظهر ما يمكن تسميته «فجوة التفويض».

فالجمهورية الإسلامية بُنيت على تعدد المؤسسات، لا على تعدد المرجعية النهائية. هناك رئيس وحكومة وبرلمان وحرس ثوري ومجلس أعلى للأمن القومي، لكن هذه البنية المركبة تنتهي، خصوصاً في قضايا الحرب والسلام والسياسة الخارجية العليا، عند مؤسسة المرشد.

ولهذا تصبح المقارنة مع 2015 مهمة.

المرشد السابق السيد علي خامنئي لم يكن عضواً في فريق التفاوض النووي، بل أكد أنه لا يدير تفاصيل المفاوضات. ومع ذلك، لم تكن هناك أزمة في تحديد سلسلة التفويض: محمد جواد ظريف يفاوض، الحكومة تدير المسار، والمرشد يحدد الإطار والخطوط الحمراء.

كان السيد الخامنئي غائباً عن الطاولة، لكن سلطته كانت حاضرة فوقها.

أما إيران اليوم فتواجه معادلة أخطر: حرب، هرمز، حصار وضغوط اقتصادية، ومفاوضات يمكن أن تحدد شروط وقف المواجهة. أي أن ارتفاع مستوى التهديد يفترض، وفق منطق «مركزية القرار»، زيادة حضور المرجعية العليا لا انخفاض قابليتها للرصد.

وهنا تصبح محدودية ظهور المرشد الحالي السيد مجتبى خامنئي مسألة ثانوية.

فالمرشد لا يحتاج إلى الظهور كي يحكم. يمكنه إدارة النظام من خلف أكثر الدوائر الأمنية انغلاقاً. لكن السلطة غير المرئية يجب أن تنتج آثاراً مرئية: تفويضاً، خطاً أحمر، توجيهاً، اعتراضاً، أو على الأقل قدرة على توحيد رواية المؤسسات التابعة لها.

وعندما يقول الوفد إنه مفوض، وتشكك منصة قريبة من الحرس في التفويض، ويسأل نائب في البرلمان وزير الخارجية «من أجاز لك؟»، فإن القضية لا تعود غياب شخص، بل غموض مركز الإسناد السياسي.

وقد تكون هناك تفسيرات عدة.

ربما منح السيد مجتبى الحكومة «تفويضاً صامتاً». وربما ترك لها مساحة تفاوض أوسع من النموذج الذي حكم علاقة والده بالحكومات السابقة. وربما يعكس التناقض توزيعاً مقصوداً للأدوار بين الدبلوماسية والمؤسسة العسكرية.

لكن حتى توزيع الأدوار يحتاج إلى موزّع.

وهنا نصل إلى مفهوم آخر: «السلطة الاسمية والسلطة الفعلية».

ليس المقصود التشكيك في أن السيد مجتبى يشغل موقع المرشد، بل اختبار ما إذا كان انتقال الموقع قد ترافق بالدرجة نفسها من القدرة على إنتاج القرار وإلزام مراكز القوة به.

وهذا تحديداً ما تجعلنا أزمة التفويض قادرين على اختباره.

في 2015 كان السؤال: إلى أي مدى سمح المرشد للمفاوض الإيراني بأن يذهب؟

في 2026 أصبح السؤال: من الذي سمح له بأن يذهب أصلاً؟

والفرق بين السؤالين قد يختصر تحولاً أكبر داخل الجمهورية الإسلامية.

لذلك ربما يكون البحث عن السيد مجتبى خامنئي في الصور والخطابات هو البحث في المكان الخطأ.

في الأنظمة شديدة المركزية، لا يُعرف موقع الحاكم من عدد مرات ظهوره، بل من المسافة التي يستطيع الآخرون قطعها من دون إذنه.

وعندما يقول المفاوض إنه مفوض، ويقول جزء من المنظومة إنه ليس كذلك، ويسأل البرلمان عن صاحب التفويض، يصبح غياب الإجابة أهم من غياب الصورة.

عندها لا يعود السؤال:

أين المرشد؟

بل السؤال الأكثر اتصالاً ببنية السلطة:

أين تنتهي صلاحيات المؤسسات الإيرانية اليوم، وأين تبدأ سلطة المرشد؟

فإذا أصبح العثور على الخط الفاصل بينهما صعباً، فقد لا تكون إيران أمام أزمة تفاوض فقط، بل أمام سؤال أكثر عمقاً حول مَن ينتج القرار في الجمهورية الإسلامية الجديدة اليوم ؟

إرسال التعليق