لا تكسروا فرحة النجاح
خطاب أبٍ في عقد الستين إلى أحبّته الذين يبحثون عن النجاح
حشاني زغيدي
المقدمة: وقفة حبّ
يا أحبّتي، يا من تملؤون قلبي أملاً،
في عقدي السادس، ومعي ستون عاماً كانت كلها دروساً وعبراً، أقف متأملاً مشهدَكم الجميل المليء بالحماسة والطموح. أراكم تتطلعون إلى آفاق النجاح، وتتعلقون بصوره البرّاقة، وتتمنون لو أنكم تصلون إليه في لمح البصر. وهذا جميل، وهذا طبيعي، وهذا ما يجعلكم شباباً يدفعهم الأمل.
لكنّي، وقد جاوزت بي السنين عتبة الخبرة، أرى ما لا ترونه بعد. أرى أن النجاح ليس تلك الصورة العابرة التي تطاردونها، بل هو شيء آخر، أعمق وأجمل وأبقى. ليس لأنني أريد أن أكسر حماسكم، كلاّ، بل لأنني أحبكم وأريد لكم نجاحاً لا يُكسَر، وفرحة لا تزول.
دعوني أحدّثكم بقلب أبٍ، لا بمنطق ناقد. دعوني أحكي لكم ما رأيته في مسيرة العظماء، لعلّ كلماتي تكون مصباحاً في طريقكم، لا حجراً يعثّر خطاكم.
أولاً: النجاح الحقيقي.. حين تراه العين بحكمة السنين
في زمنٍ تسارعت فيه الخطى، وتزاحمت فيه الصور، صار النجاح عند البعض وكأنه وجبة سريعة، أو منشور يلمع ثم يختفي. لكنّ الحقيقة التي أثبتها التاريخ أن النجاح الحقيقي ليس لحظةً تُلتقط، بل هو حياةٌ تُعاش.
إنه كتلك النخلة التي تغرسها صغيراً، فتسقيها، وتعتني بها، وتصبر عليها، حتى إذا اكتمل عودها، أثمرت فأطعمتك وأظلّتك. لم تأتِ ثمارها بين عشية وضحاها، بل جاءت بعد طول انتظار، وهذا هو سرّ حلاوتها.
تأمّلوا معي نموذج الخليل بن أحمد الفراهيدي:
في الستين من عمره، كان قد وضع أسس علم العروض، وأثرى المكتبة العربية إثراءً لا يُنسى. لكنه حين قيل له: “لقد ملأت الدنيا علماً”، لم يتباهَ، بل قال بتواضع العالم الحقيقي: “إنّما العلم ما عمل به”. لم يكن همه أن يُخلّد اسمه، بل أن يرى العلم يتحرّك في الناس. هذا هو النجاح الذي يمنح العمر معناه.
ثانياً: نجاح المربين وأصحاب العطاء الصامت
حدّثوني عن النجاح الذي يترك أثره في القلوب، ولا يكتب في الصحف. نجاح المربين، وأصحاب العطاء الصامت، أولئك الذين يزرعون في النفوس بذوراً لا ترى ثمارها إلا بعد حين.
المربي الناجح يشبه النهر، يجري في هدوء، لا يعلن عن نفسه، لكنه يروي كل ما يصادفه في طريقه. لا ينتظر تصفيقاً، ولا يبحث عن ضجّة، لكنه يعلم أن كل قطرة منه ستصنع خُضرةً في مكان ما. نجاحه لا يُقاس بعدد الكتب التي ألّفها، بل بأجيالٍ تربّت على يديه، حملت منه الأمانة والإخلاص.
وفي زماننا هذا، نماذج حية لا تزال في قمة العطاء:
الدكتور عمار حويمي، طبيب الأشعة والمؤلف الموسوعي، الذي جمع بين التفوق العلمي في فرنسا والعودة للوطن، ومازالت مؤلفاته الطبية تُدرس في الجامعات الغربية. لم يكتفِ بممارسة المهنة، بل آثر التأليف والعطاء العلمي، حتى مع دنوّه من سن التقاعد، ظلّت روح البحث والكتابة حارة فيه، لأنه أدرك أن النجاح الحقيقي ليس محطة نصل إليها، بل مسيرة عطاء لا تنتهي.
والبروفيسور بلقاسم حبة، صاحب أكثر من 1700 براءة اختراع عالمية، وأحد أبرز 100 مخترع في العالم. ورغم إنجازاته التي غيّرت مسار التكنولوجيا، لم يقف عند حد، بل حوّل خبراته العالمية إلى مشاريع تعليمية في وطنه، ليؤكد أن النجاح الحقيقي ليس مجرد إنجاز عابر، بل مسيرة عطاء متجدّدة، لا تعرف الشيخوخة ولا تتوقف عند حد.
ثالثاً: النجاح في كل مجال.. نماذج حقيقية
النجاح ليس لباساً واحداً يناسب الجميع، بل هو فسيفساء جميلة تتلوّن بحسب صاحبها ومجالها:
في العلم: نموذج أحمد زويل
حين نال جائزة نوبل، لم يقف عندها مكتفياً، بل جعلها جسراً ليصل بعلمه إلى وطنه وأمّته، فأسس معهداً لتطوير العلم في مصر والعالم العربي. كان نجاحه امتداداً، لا نهايةً. لم يقل: “ها أنا قد وصلت”، بل قال: “هذه بداية الطريق”.
في المال والأعمال: نموذج عبد اللطيف جميل
لم يكتفِ ببناء إمبراطورية تجارية، بل حوّلها إلى أداة لبناء الإنسان، فأنشأ برامج تدعم الشباب وتوفّر فرص العمل. أدرك أن المال الحقيقي ليس ما تجمعه، بل ما تتركه من أثر في حياة الآخرين.
في الفن والأدب: نموذج نجيب محفوظ
حين كتب “ثلاثية القاهرة” وأعماله الخالدة، لم يكتب للجائزة، بل كتب ليعكس واقعاً ويعبر عن روح إنسانية. وحين جاءته جائزة نوبل، كان قد ناهز السادسة والستين، بعد عمرٍ من العطاء الصامت. لم يستعجل الشهرة، فجاءته الشهرة وهي تليق بعمره وجهده.
رابعاً: كلمات من القلب.. وصايا من جربوا الطريق
هذه الكلمات ليست من عندي، بل هي خلاصة ما تركه العظماء الذين سبقونا، وما سطّره الحكماء في كتبهم:
١. لا تستعجلوا النضج:
قال ابن الجوزي: “من استعجل الثمرة قبل أوانها، فاته حلاوتها”. النخلة لا تُثمر في عام، والبناء المتين لا يقوم في يوم. امنحوا أحلامكم وقتها. أخطاؤكم اليوم هي حكمتكم غداً، فلا تخافوها.
٢. لا تخافوا السقوط:
الذين لم يسقطوا قط هم الذين لم يمشوا قط. كلّ مرة تسقطون فيها، تتعلمون كيف تقفون بشكل أفضل. الفشل ليس نقيض النجاح، بل هو جزء من طريق إليه.
٣. ابنوا لأنفسكم أثراً، لا مقعداً:
المناصب تأتي وتذهب، والوجاهات تتغير، لكن الأثر الطيب الذي تتركونه في قلوب الناس هو ما يبقى. حين ترحلون عن هذه الدنيا، لا يسأل الناس عن حساباتكم البنكية، بل يسألون عن جميل صنعتموه، وبصمة تركتموها.
٤. اختاروا من يصحبكم:
الرفيق الصالح هو نصف الطريق، كما قال الحكماء. صحبة الخير تزيدكم خيراً، وصحبة الشر تُفقدكم أنفسكم. لأنتم على دين خليلكم، فلينظر أحدكم من يخالل.
٥. وازنوا بين الجسد والروح:
لا تنهكوا صحتكم في جمع المال، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى. النجاح الحقيقي هو أن تستيقظ معافى، وأن تنام قرير العين.
٦. لا تنسوا نصيبكم من الحياة:
النجاح رحلة، وفيها محطات للراحة والتأمّل. ابتسامة طفل، وغروب شمسٍ بديع، وصلاة بخشوع، ولحظة صفاء مع النفس.. هذه ليست مضيعة للوقت، بل هي زاد الروح، ووقود العمر.
خامساً: الأخلاق.. جمال النجاح الذي لا يبهت
كلّ نجاح يخلو من الأخلاق هو نجاح ناقص، كزهرةٍ جميلة بلا عطر. الأخلاق هي ما يمنح النجاح قيمته الحقيقية:
١. التواضع في القمم:
القمم ليست إلا نقاطاً في الفضاء، والتواضع هو ما يبقيك متّصلاً بالأرض والناس. لا تنظروا إلى من هو أسفل منكم ازدراءً، فلكل مقام حكمته.
٢. ردّ الجميل:
من علّمك حرفاً، صرت له عبداً. من علّمك، ومن ساعدك، ومن وقف معك، هم شركاؤك في نجاحك، فلا تنسَ فضلهم.
٣. النزاهة ولو كلفتك الدنيا:
درهمٌ حرام ينقص من بركة عمرك أضعاف ما يزيده في جيبك. النجاح النظيف هو الوحيد الذي يمنحك راحة البال.
٤. الاعتراف بفضل الآخرين:
لا تسرق جهود فريقك. القائد الناجح هو من يشعل الشموع لمن حوله، لا من يطفئها ليبدو وحيداً في النور. لا نجاح حقيقياً دون فريق، ولا إنجازاً عظيماً دون شراكة.
الخاتمة: إلى من أحبّ
في نهاية هذه الكلمات، أريدكم أن تعلموا أنني لا أقولها لأثنيَكم عن حلمكم، بل لأرفع حلمكم إلى ما هو أسمى وأبقى.
لا تكسروا فرحة النجاح بتعجّله، ولا تحرموا أنفسكم متعة الرحلة بتركيزكم على المحطة الأخيرة فقط. النجاح الحقيقي هو أن تسيروا في طريقكم بثقة، وأنتم تعلمون أن كلّ خطوة، وكلّ تعب، وكلّ صبر، هو جزء من نجاحكم لا يقلّ قيمة عن اللحظة التي تصلون فيها.
وحين تتعبون وتتساءلون عن جدوى الطريق، تذكّروا الخليل بن أحمد الذي وهب عمره للعلم ولم يطلب شهرة، وتذكّروا أحمد زويل الذي جعل جائزته بداية لا نهاية، وتذكّروا نجيب محفوظ الذي كتب للخلود فخلّدته الكلمات، وتذكّروا الدكتور عمار حكيمي والبروفيسور بلقاسم حبة اللذين مازالا في قمة العطاء، يقدّمان نموذجاً حياً بأن النجاح الحقيقي ليس مجرد إنجاز عابر، بل مسيرة عطاء متجدّدة، لا تعرف الشيخوخة ولا تتوقف عند حد.
تذكّروا: من أراد الثمرة، صبر على الغرس. ومن أراد القمّة، تحمّل مشقّة الطريق. ولكن الأجمل من كلّ ذلك، أن تكونوا في نهاية الرحلة كما كنتم في بدايتها: قلوباً نقية، ونفوساً أبيّة، وأخلاقاً عالية. فهذا هو النجاح الذي لا يُكسر.
“ليس العيب أن تصلوا إلى العشرين ولم تحققوا كل أحلامكم، العيب أن تصلوا إلى الأربعين ولم تتعلموا الصبر، والعيب أن تصلوا إلى الستين وقد فاتكم أن تتركوا بصمةً في قلبٍ واحدٍ على الأقل.”


إرسال التعليق