وهم التواصل… عندما تعزلنا الشاشات عما يختلف عنا
بشار مرشد
المقدمة:
وُلدت شبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث في بدايات العصر الرقمي محملة بوعد كبير من اختصار المسافات وتقريب البشر وفتح فضاء غير مسبوق لتبادل المعرفة والأفكار، حتى بدا أن البشرية تتجه نحو بناء قرية كونية تتراجع فيها الحواجز الجغرافية والثقافية، ويصبح الوصول إلى الآخر أكثر سهولة من أي وقت مضى، غير أن هذا الوعد اصطدم تدريجياً بواقع أكثر تعقيداً. فمع تحول المنصات الرقمية إلى كيانات تجارية تقوم بدرجة كبيرة على اقتصاد الانتباه، لم يعد الهدف مجرد إتاحة المعلومات للمستخدم، وإنما جذب انتباهه والمحافظة عليه لأطول وقت ممكن، وهنا برزت خوارزميات التوصية والتخصيص التي تتعلم من سلوك المستخدم، وتتعرف إلى اهتماماته ثم تعيد تشكيل ما يظهر أمامه وفق ما يرجح أن يثير تفاعله واستمراره، وهكذا نشأت مفارقة العصر الرقمي وهي مجتمعات متصلة تقنيا بصورة غير مسبوقة، لكنها قد تصبح أكثر تباعدا فكريا واجتماعيا، فنحن نملك اليوم قدرة هائلة على الوصول إلى الآخرين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر قدرة على فهمهم.
من اقتصاد الانتباه إلى غرف الصدى:
تعتمد المنصات الرقمية الحديثة على أنظمة خوارزمية تراقب أنماط استخدامنا، ما نقرأه وما نشاهده وما نتوقف عنده وما نتفاعل معه وما نتجاوزه. وبناءا على هذه الإشارات، تعمل أنظمة التوصية على ترجيح محتوى معين للمستخدم دون غيره،
ولا تكمن المشكلة في التخصيص بحد ذاته فهو جزء أساسي من قدرة المنصات على التعامل مع الكم الهائل من المعلومات، لكن المشكلة تبدأ عندما يؤدي هذا التخصيص، بصورة متكررة إلى تضييق نطاق ما يتعرض له الإنسان من أفكار ومواقف فيصبح العالم الرقمي الذي يراه أقرب فأقرب إلى العالم الذي يتوقعه ويوافقه، فمن يتابع باستمرار محتوى سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا من اتجاه معين، قد يجد نفسه محاطا بمواد وأشخاص ومصادر تشترك إلى حد كبير في الرؤية نفسها. ومع مرور الوقت، تتراجع فرص الاحتكاك بالرأي المختلف، ليس بالضرورة لأن المنصة قررت حجبه، وإنما لأن منظومة التوصية وجدت أن المحتوى المشابه أكثر قدرة على جذب انتباه المستخدم، ومن هنا تظهر ظاهرة فقاعات التصفية وغرف الصدى، حيث لا يعود الفرد يرى العالم بكل تنوعه، وإنما يرى نسخة منتقاة منه تتكرر فيها الأفكار والمواقف ذاتها بأصوات متعددة، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية فالإنسان لا يكتسب قناعته من سماع الرأي الذي يوافقه فقط، بل يختبر قوة قناعته عندما يواجه الحجة المخالفة لها، وعندما يغيب هذا الاحتكاك يمكن للرأي أن ينتقل تدريجيا من كونه موقفا قابلا للنقاش والمراجعة إلى حقيقة مكتملة في ذهن صاحبها، لا يرى ما يدعوه إلى إعادة النظر فيها.
عندما يصبح الاختلاف مادة غير مرغوبة:
تزداد المشكلة تعقيدا عندما ندرك أن المحتوى الأكثر إثارة للانتباه ليس بالضرورة المحتوى الأكثر قيمة، فالمعلومة الهادئة والمتوازنة قد لا تحقق التفاعل نفسه الذي يحققه المحتوى الصادم أو الاستفزازي أو العاطفي، ولهذا تميل بيئات التواصل الرقمي إلى مكافأة المحتوى القادر على إثارة رد فعل سريع مثل الغضب والسخرية والخوف والاستفزاز والتعصب، ومع تكرار ذلك يصبح الاختلاف نفسه مادة قابلة للتسويق ويتحول النقاش من محاولة لفهم الآخر إلى منافسة لإسكاته أو إحراجه أو تحشيد الجمهور ضده، وهكذا تتشكل تدريجيا قبائل رقمية لكل منها لغتها ورموزها ومصادرها ومرجعياتها، وقد ينتهي الأمر بأفرادها إلى التعامل مع المجموعة الأخرى لا بوصفها طرفا مختلفا يمكن الحوار معه، بل باعتبارها تهديدا أو خصما، ففي هذه البيئة، لا تعود المشكلة مجرد اختلاف في الآراء، وإنما يصبح هناك اختلاف في الواقع الذي يراه كل طرف فكل مجموعة تعيش داخل منظومة مختلفة من الأخبار والتفسيرات والمصادر، الأمر الذي يجعل الوصول إلى أرضية مشتركة أكثر صعوبة.
الترند… عندما تتحول الخوارزمية إلى قوة ثقافية:
ولا يتوقف أثر المنصات عند السياسة والنقاش العام، بل يمتد إلى الثقافة وأنماط السلوك والحياة اليومية، فالترندات لا تنتشر لمجرد أنها تمثل بالضرورة ما هو أكثر أهمية أو قيمة، وإنما لأن آليات الانتشار الرقمي قادرة على دفع محتوى معين إلى الواجهة خلال فترة زمنية قصيرة، ومع التكرار يمكن للمحتوى الرائج أن يتحول من ظاهرة عابرة إلى معيار اجتماعي، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين الذين لا يزالون في مرحلة بناء هويتهم وتشكيل منظومتهم القيمية،
وهنا تظهر إحدى أخطر التحولات الثقافية في العصر الرقمي حيث لم تعد عملية التأثير الثقافي تسير فقط من الأسرة والمدرسة والمجتمع إلى الفرد، وإنما أصبح الفرد يتلقى يوميا تدفقات هائلة من الصور والنماذج والسلوكيات القادمة من بيئات وثقافات مختلفة تتنافس جميعها على انتباهه، ولا يعني ذلك أن كل تأثير ثقافي خارجي يمثل تهديدا، ولا أن الثقافة المحلية يجب أن تنغلق على نفسها، فالتبادل الثقافي جزء طبيعي من تطور المجتمعات، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا التبادل غير متوازن، وعندما تتحول الخوارزمية من مجرد وسيط تقني إلى عامل يحدد بصورة متزايدة ما الذي يستحق أن نراه، وما الذي يبقى خارج دائرة انتباهنا.
من التواصل إلى التنميط:
المفارقة هنا أن التكنولوجيا التي كان يفترض أن توسع آفاق الإنسان قد تساهم في ظروف معينة في تضييقها، فنحن نعيش في عصر غير مسبوق من حيث وفرة المعلومات، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة تنوع المعرفة، ونملك آلاف الأصدقاء والمتابعين، لكن كثرة العلاقات الرقمية لا تعني بالضرورة اتساع دائرة الحوار الحقيقي، ونستطيع الوصول إلى أي رأي تقريبا، لكن القدرة على الوصول إلى الرأي المختلف لا تعني أننا سنراه فعلا أو سنمنحه فرصة عادلة للفهم،
ومع استمرار هذا النمط، قد تتحول المنصات إلى بيئات تعيد إنتاج قناعات المستخدم بدلا من اختبارها، وتكافئ التشابه أكثر مما تكافئ الاختلاف وتدفع نحو الاستهلاك السريع للمحتوى بدلا من التأمل فيه،
وفي البيئات الهشة اجتماعيا، يمكن أن تتضاعف هذه المخاطر من خلال الحسابات المنسقة والذباب الإلكتروني وحملات التضليل والتلاعب بالرأي العام، بحيث لا يصبح المستخدم مستهلكا للمحتوى فحسب، بل جزءا من منظومة أكبر قادرة على توجيه النقاش العام والتأثير في المزاج الاجتماعي.
الخاتمة: هل نختار ما نراه؟؟
ربما لا تكمن المشكلة الكبرى في العصر الرقمي في أن الإنسان أصبح عاجزا عن الوصول إلى المعلومات بل في أنه أصبح معرضا لخطر آخر أكثر خفاءا أن تصل إليه المعلومات التي اختارتها له الخوارزمية وأن يظن أن هذا العالم المحدود هو العالم كله.
إن مواجهة هذه المشكلة لا تعني رفض التكنولوجيا أو الانسحاب من الفضاء الرقمي فهذا خيار غير واقعي وغير مطلوب، فالمطلوب هو استعادة الإنسان لقدرته على الاختيار وأن يدرك أن ما يظهر أمامه على الشاشة ليس بالضرورة صورة كاملة للعالم وإنما نتيجة منظومة من الخوارزميات والتفضيلات وأنماط السلوك، نحتاج إلى أن نبحث عمدا عن الرأي الذي لا يوافقنا، وأن نقرأ الحجة التي تزعجنا، وأن نميز بين ما يثير انتباهنا وما يستحق اهتمامنا، وأن نعيد بناء قدرتنا على الحوار بعيدا عن منطق الاصطفاف الرقمي، فالتطور الحقيقي للمجتمعات لا يقاس بعدد المنصات التي تستخدمها، ولا بسرعة شبكات الاتصال التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على الاختلاف دون قطيعة والحوار دون إلغاء والتعدد دون تفكك،
فالسؤال الذي ينبغي أن يواجه الإنسان في عصر الخوارزميات ليس كم شخصا أستطيع أن أتواصل معه،
بل كم رأيا مختلفا ما زلت قادرا على رؤيته وفهمه دون أن أشعر أنه تهديد لي، وهنا تحديدا يتحدد الفرق بين مجتمع متصل بالشبكات، ومجتمع متصل بالإنسان.



إرسال التعليق