بناء الأمة والدولة

حسين علي الحمداني

أصاب مفهوم الأمة في عدد من الدول العربية، قدر كبير من الالتباس. فقد جرى حصره، في كثير من الأحيان، في بعده القومي، بينما تراجع حضوره بوصفه إطاراً جامعاً لمواطني الدولة على اختلاف انتماءاتهم. وقد ترك هذا الفهم آثاراً واضحة في مسار بناء الدولة الحديثة، ولا سيما بعد انتهاء حقبة الأنظمة الشمولية والانتقال نحو دولة يفترض أن تقوم على سيادة القانون والمواطنة والمساواة.
ولا يكتمل مفهوم الأمة من دون الدولة، كما أن الدولة لا تستقر من دون شعور وطني جامع. فالعلاقة بين الشعب والأرض، وبين الأمة والدولة، هي علاقة تاريخية وثقافية قبل أن تكون سياسية. ولعل التجربة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية تقدم مثالاً واضحاً؛ فعلى الرغم من انقسام ألمانيا إلى دولتين طوال عقود، بقيت الروابط التاريخية والثقافية أقوى من الانقسام السياسي، حتى تحقق توحيدها مجدداً. وهي تجربة تؤكد أن الثقافة المشتركة كثيراً ما تكون أكثر قدرة من السياسة على توحيد الشعوب.
كما تقدم دول مثل سويسرا وبلجيكا نماذج لدول نجحت في إدارة التنوع اللغوي والثقافي ضمن إطار دولة واحدة، الأمر الذي يثبت أن التعدد لا يتعارض مع وحدة الدولة إذا استند إلى دستور عادل ومواطنة متساوية.
وفي العراق برزت محاولة مبكرة لترسيخ هذا المفهوم بعد ثورة 14 تموز 1958، حين نص الدستور المؤقت على أن العراق وطن مشترك للعرب والكرد، في إشارة إلى مبدأ الشراكة الوطنية. وكانت تلك خطوة مهمة باتجاه بناء دولة تستوعب جميع مكوناتها، إلا أن تصاعد النزعات الإقصائية والقومية الضيقة في مراحل لاحقة أضعف هذا المشروع، وأعاد إنتاج الانقسامات والصراعات.
ومن هنا تتجلى أهمية الدستور بوصفه المرجعية التي تضمن حقوق الجميع، وتحوّل الانتماءات المتعددة إلى قوة تصب في خدمة الدولة، لا إلى أسباب للتنازع عليها. فعندما يشعر أي مكون بأنه مستبعد أو مهمش، تتراجع الثقة بالدولة، وتظهر نزعات الانفصال أو المطالبة بالحكم الذاتي، كما شهدت تجارب عديدة في مناطق مختلفة من العالم.
إن الدولة ليست مجرد سلطة أو مؤسسات إدارية، بل هي مشروع ثقافي وقيمي يقوم على التوافق حول هوية وطنية جامعة. ولهذا أكد عدد من المفكرين أن بناء المجتمع ثقافياً يسبق بناء الدولة سياسياً. ومن هؤلاء المفكر الجزائري مصطفى الأشرف، الذي رأى أن ترسيخ قيم المواطنة والانتماء المشترك هو الأساس الذي تُبنى عليه الأمة والدولة معاً.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء الأمة العراقية لا يعني إلغاء التنوع، بل تحويله إلى مصدر قوة داخل إطار الدولة العراقية. فالأمة الحديثة ليست نقيضاً للتعدد، وإنما هي فضاء يجمع المواطنين تحت مظلة الدستور والقانون، ويجعل الانتماء إلى الدولة هو الرابط الأعلى الذي يتقدم على الانتماءات الفرعية.
لقد آن الأوان لإحياء مفهوم الأمة العراقية بوصفه مشروعاً ثقافياً وحضارياً قبل أن يكون مشروعاً سياسياً. فبناء دولة المؤسسات يبدأ ببناء الإنسان، وترسيخ ثقافة المواطنة، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، لأن الأمم لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما تُبنى أيضاً بالفكرة الجامعة التي يؤمن بها جميع أبنائها.

إرسال التعليق