اجراءات التحقيق و التحري للشرطة .. التحليل الجنائي
رياض هاني بهار
التحليل الجنائي ودوره في صناعة القرار الأمني
يشهد العالم اليوم تحولاً جذرياً في فلسفة العمل الشرطي، فلم يعد نجاح عمل الشرطة يقاس بعدد الدوريات المنتشرة، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب .
وهذا التحول لم يكن وليد التطور التقني فحسب، بل جاء نتيجة إدراك أن الجريمة أصبحت أكثر تعقيداً وتنظيماً، وأن مواجهتها تتطلب فهماً عميقاً لأنماطها وأسبابها واتجاهاتها، وليس مجرد الاستجابة لها بعد وقوعها .
في هذا السياق برز التحليل الجنائي بوصفه أحد أهم أدوات الإدارة الأمنية الحديثة، إذ لم يعد مجرد نشاط إحصائي يقتصر على عد الجرائم وتصنيفها، بل أصبح عملية علمية تهدف إلى تحويل البيانات الجنائية إلى معرفة استراتيجية تساعد القيادات الشرطويه على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة.
لقد اعتادت التقارير التقليدية أن تعرض أرقاماً عن عدد الجرائم ونسب الزيادة أو الانخفاض وهي معلومات مهمة بلا شك، لكنها لا تجيب عن الأسئلة التي يحتاجها صانع القرار مثل: لماذا ارتفعت الجريمة؟ ولماذا تركزت في منطقة معينة؟ ولماذا تكررت في توقيت محدد؟ وهل يمكن توقعها ومنعها قبل وقوعها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي جوهر التحليل الجنائي الحديث
فالتحليل الجنائي لا يكتفي بوصف ما حدث وإنما يسعى إلى تفسيره، والكشف عن العلاقات بين الجرائم، وتحليل أنماطها، وتحديد البؤر الساخنة، ودراسة خصائص الجناة والضحايا، ثم تقديم توصيات عملية تساعد القيادة على اختيار البديل الأمني الأكثر فاعلية.
ومن هنا أصبح التحليل الجنائي يمثل حلقة الوصل بين البيانات وصناعة القرار. فالبيانات في حد ذاتها لا تصنع أمناً، وإنما تتحول إلى قيمة عندما تخضع للتحليل العلمي، وتترجم نتائجها إلى سياسات وخطط وإجراءات ميدانية.
وتعتمد أجهزة الشرطة المتقدمة على منظومة متكاملة من أدوات التحليل، تشمل تحليل الجريمة، وخرائط الجريمة، وتحليل البؤر الساخنة، وتحليل الشبكات الإجرامية، وتحليل الجناة المتكررين، والتنبؤ بالجريمة باستخدام الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية.
وهذه الأدوات لا تهدف إلى إنتاج تقارير أكثر تعقيداً، وإنما إلى تمكين القيادة من توجيه الموارد إلى الأماكن والأوقات والأشخاص الذين يمثلون الأولوية الأمنية الحقيقية.
ولعل أبرز ما يميز التحليل الجنائي أنه يقلل من درجة عدم اليقين التي تواجه القائد الأمني. فكل قرار يتخذ في ظل معلومات ناقصة يحمل معه قدراً من المخاطرة، بينما يسهم التحليل في كشف الصورة الكاملة للموقف الأمني، ويعرض البدائل المتاحة، ويبين الآثار المتوقعة لكل بديل، الأمر الذي يجعل القرار أكثر دقة وأقل كلفة وأكثر قدرة على تحقيق أهدافه.
كما يسهم التحليل الجنائي في الانتقال من الأمن التفاعلي إلى الأمن الاستباقي، فالشرطة الحديثة لا تنتظر وقوع الجريمة حتى تتحرك، بل تعمل على استشراف المخاطر من خلال تحليل البيانات التاريخية، ودراسة الاتجاهات، وربط المتغيرات الزمنية والمكانية، بما يمكنها من توقع الأماكن والأوقات الأكثر احتمالاً لوقوع الجريمة، ومن ثم اتخاذ الإجراءات الوقائية قبل حدوثها.
إن هذا التحول يغير أيضاً طريقة تقييم الأداء الأمني. فلم يعد النجاح يقاس بعدد القضايا المسجلة أو بعدد المقبوض عليهم فقط، بل بقدرة المؤسسة الأمنية على خفض معدلات الجريمة، وتقليل تكرارها، ورفع مستوى شعور المواطنين بالأمن، وتحسين كفاءة استخدام الموارد
وفي هذا الإطار، يصبح دور القيادة الأمنية أكثر ارتباطاً بالتحليل من أي وقت مضى. فالقائد الناجح ليس من يمتلك أكبر قدر من المعلومات، وإنما من يستطيع تحويل تلك المعلومات إلى قرارات صحيحة في الوقت المناسب. ولهذا فإن التحليل الجنائي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من دورة القرار الأمني، يبدأ بجمع البيانات، ثم تحليلها، وتقييم المخاطر، وصياغة البدائل، واتخاذ القرار، وتنفيذه، ثم قياس نتائجه واستخلاص الدروس المستفادة.
إن وزارة الداخلية العراقية تمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال إلى هذا النموذج الحديث من خلال تطوير منظومة التحليل الجنائي، وإنشاء قواعد بيانات موحدة، واعتماد خرائط الجريمة، وتوظيف نظم المعلومات الجغرافية، وإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبناء كوادر متخصصة في التحليل، لتصبح المعلومات أداة لصناعة القرار، لا مجرد سجلات تحفظ في الأرشيف.
إن بناء منظومة متكاملة للتحليل الجنائي ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل هو مشروع لإعادة صياغة فلسفة العمل الأمني، بحيث يصبح القرار قائماً على الأدلة، والتخطيط قائماً على التحليل، وتقييم الأداء قائماً على النتائج
.
وخلاصة القول، فإن البيانات من دون تحليل ليست سوى أرقام، والتحليل من دون قرار لا يحقق قيمة، أما القرار الأمني المبني على الأدلة فهو الأساس الذي تقوم عليه الشرطة الحديثة، وهو الطريق الأقصر نحو أمن أكثر كفاءة، وموارد أكثر استثماراً، ومجتمع أكثر استقراراً.



إرسال التعليق