«خوك من واتاك ماهوش ولد أمك وباباك
رشيد مصباح (فوزي)
*
يقول المثل: «خوك من واتاك، ماهوش ولد أمك وباباك».
بينما كنت متوجّهًا إلى أحد المحلـّات في الحي الذي أسكنه، استوقفني أحد المعارف، وهو (ع.ف)، الذي يعود إليه الفضل في تغيير وجه حي «بلغيث» كما كان يُسمّى. قال لي:
— ماذا لو أريتك مفاجأة؟
ثم أخرج هاتفه وأراني صورة قديمة لثلاثة رجال تركوا بصمتهم في حياة المداوروشية:
سي مختار بوعشة، المجاهد والسيّاسي المحنّك، الذي كان يحظى باحترام الجميع، حتى من اختلفوا معه، لأنه كان يحمل قلبًا بلا أحقاد.
سي علي صحراوي، المعلم الكفء النزيه، وأحد وجوه النخبة المثقّفة آنذاك، عُرف بنشاطه في اللّجان المكلّفة بالشؤون الثقافية للبلدية.
والوالد سي عيسى مصباح، الرجل الأنيق الذي كان يجسّد صورة الشرطي الصارم، المنضبط والنظيف.
كانت الصورة توثّق حفل اختتان أقيم بمقر البلدية، أو المندوبية آنذاك، في منتصف تسعينيات القرن الماضي على ما أذكر.
لكن الصورة أعادت إليّ أكثر من مجرد ذكرى.
كنتُ قد قلتُ ذات يوم لسي علي صحراوي:
— كلما رأيتك تذكّرت الوالد، رحمه الله. ما سر العلاقة التي جمعت بينكما؟
ابتسم وقال:
— جمع بيننا «المكتوب»، وجمعت بين قلوبنا الأقدار. نشأت بيننا أخوّة حقيقية، ولم تكن مجرّد علاقة عمل أو مسؤولية.
لم تكن كلماته مجاملة عابرة. فقد كنتُ شاهدًا، بصورة أو بأخرى، على عمق تلك العلاقة.
ما زلتُ أتذكر مشهدًا لا يفارق ذاكرتي: هؤلاء الرجال الثلاثة داخل السيارة، يبكون بحرقة كالأطفال، بعد مواراة جثمان زوجة سي مختار. لم يكن بكاء زملاء في العمل، بل بكاء إخوة فقدوا عزيزًا عليهم.
عملتُ في البلدية سنوات، ورأيتُ كثيرًا من المسؤولين والموظفين، لكنّني لم أرَ علاقة حميمية بين رئيس ونائبيه تشبه تلك التي جمعت هؤلاء الرجال.
ربما لهذا بقيت صورتهم في ذاكرتي كل هذه السنوات.
فبعض العلاقات تبدأ في مكان العمل، لكنها لا تنتهي بانتهائه. وبعض الرجال لا يجمعهم الدم، وإنما تجمعهم المروءة، والوفاء، و«المكتوب».
رحم الله سي عيسى وسي مختار، وأطال الله في عمر سي علي، وأمدّه بالصحة والعافية، وأسبغ عليه نعمه الوارفة.
رحم الله زمنًا كان فيه «الزميل» يمكن أن يصبح أخًا، وكان الوفاء أقوى من المصلحة.



إرسال التعليق