من هو شيطان المخابرات

ماجد كمال

لم يكن بيدقاً أو ترساً في ألة النظام.. بل كان هو النظام،المُحرك الفعلي لتروس الدم، والشخص الوحيد الذي جعل ستالين نفسه يتوجس منه خيفة!
إذا كان “ياغودا” و”ييجوف” و”ميركولوف” مجرد سيافين ينفذون الرغبات، فإن لافرينتي بيريا كان بمثابة إبليس الكرملين؛ العقل الجبار، ومؤسس الدولة العميقة داخل الدولة السوفيتية، الرجل الذي أدار الاستخبارات، ومعسكرات الغولاق، وبرنامج القنبلة الذرية بكفاءة إدارية مرعبة!
ولد الثعلب بيريا في جورجيا، وشق طريقه في أجهزة الأمن (الشيكا) بقسوة ودهاء لا يرحم.
جعل من نفسه الخادم المخلص الأمين لأبن بلاده جوزيف ستالين.
في عام 1938، عندما بدأ جنون “ييجوف” يهدد أركان الدولة، استدعاه ستالين لموسكو ليحل محل ييجوف رئيساً للـ NKVD.
أول ما فعله بيريا كان حركة شطرنج عبقرية: على الفور أنهى موجة “التطهير الكبير” العشوائية، وأطلق سراح مئات الآلاف من المعتقلين والمشتبه بهم، ليظهر أمام الشعب والجيش بمظهر «المنقذ والمصلح» الذي أوقف جنون القزم ييجوف!
لكنه في الحقيقة كان ينظم القمع ويجعله أكثر مؤسسية واحترافية.
بيريا ليس رجل أمن فقط، بل كان المدير التنفيذي للإمبراطورية كلها.
سريعاً حول سجون “الغولاق” إلى مجمع اقتصادي وصناعي ضخم يرفد الدولة بالذهب، والتعدين، والسلاح، عبر معتقلين يعملون بالسخرة حتى الموت.
و عندما طلب ستالين القنبلة الذرية لمواجهة أمريكا، وضع بيريا على رأس المشروع.
أدار بيريا شبكات التجسس في العالم الغربي بدهاء منقطع النظير،وكان يدير علماء الذرة بالترهيب والترغيب لسرقة مشروع “مانهاتن”، ونجح في تفجير أول قنبلة ذرية سوفيتية عام 1949!
كان قوة نفوذ لا يمكن لأحد أن يمسسها.
فقد كان يجمع ملفات الفضائح والانتهاكات ليبتز بها كل قيادات الحزب الشيوعي والجيش (بمن فيهم نيكيتا خروتشوف والمارشال جوكوف)، لضمان ألا يجرؤ أحد على المساس به!
كان لبيريا جانب مظلم ومرعب يتجاوز السياسة والحكم؛ فقد كان سادياً ومغتصباً متسلسلاً!
كانت سياراته السوداء تجوب شوارع موسكو ليلاً لتختطف الفتيات والشابات وتأتي بهن إلى قصره.
وبعد وفاة ستالين، عُثر في حديقة قصره على جثث ومقابر جماعية سرية لضحاياه من النساء!
في مارس 1953،عندما أصيب ستالين بالجلطة في مزرعته الحصينة، كان بيريا أول الحاضرين.
يروي الحراس أن بيريا كان يظهر الشماتة والفرح كلما أغمي على ستالين، ثم يجثو على ركبتيه ويقبل يده باكياً كلما فتح ستالين عينيه!
وفور إعلان وفاة ستالين، استولى بيريا على الجهاز الأمني بالكامل، وبدأ في إصدار قرارات إصلاحية وانفتاحية مفاجئة (عفو عام، إلغاء التعذيب، التقارب مع الغرب)؛ لم يكن ذلك طيبة منه، بل خطة أعدها بعناية ليصبح هو الحاكم المطلق للاتحاد السوفيتي!
وهنا،أدرك قيادات الحزب (وعلى رأسهم نيكيتا خروتشوف) أن بقاء بيريا على قيد الحياة يعني إعدامهم جميعاً بملفات الابتزاز التي يملكها. فنسجوا مؤامرة خاطفة:
في يونيو 1953، استدعى خروتشوف بيريا لحضور اجتماع طارئ للقيادة العليا في الكرملين.
دخل بطل الحرب العالمية الثانية المارشال «جيورجي جوكوف» ومعه مجموعة من الضباط المسلحين سراً إلى القاعة، ووجهوا أسلحتهم نحو بيريا مباشرة، كان الأمر أشبه بكمين محكم ،وفي لحظات قبضوا عليه ولم يستطيع استدعاء حراسه الشخصيين!
وفي ديسمبر 1953،حوكم بيريا سراً مع رجاله (ومنهم ميركولوف) بتهم الخيانة العظمى والعمالة للغرب والجرائم الأخلاقية.
الغريب أنه تم إعدام بيريا قبل المحاكمة بيومين،أي أن المحاكمة كانت مجرد صورية.
و عند لحظة الإعدام، انهار “التنين المرعب” وسقط على ركبتيه يبكي ويسترحم الضباط، حتى أنه تبول على نفسه من شدة الخوف .
وفقاً لغريبانوف، بكى بيريا بحرقة وتبول على نفسه قبل أن يطلق الرصاصة في منتصف جبهته، ليُسدل الستار على أعتى وأبشع محرك للأحداث في تاريخ السوفيت!
مات بيريا برصاصة في جبهته، وطُويت صفحة «عصابة القوقاز» التي حكمت الكرملين بالحديد والنار.. ؟
جاءت نهايته كنهاية العتاة والمستكبرين؛ فكما أذاق ضحاياه المرارة والخوف والرعب، تجرع هو من نفس الكأس…

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك