الردع بوابة السلام… اتفاق مكة وتحولات هندسة القوة الإقليمية
د. حسام وليد البدري
حين صاغ توماس شيلينغ مفهوم الردع، لم يتعامل مع القوة بوصفها مخزوناً من السلاح، بل قدرة على إعادة هندسة “بنية الحوافز” لدى الخصم، بحيث يصبح الامتناع عن الفعل أكثر عقلانية من الإقدام عليه. أما ستيفن والت، فنقل النقاش من “توازن القوى” إلى “توازن التهديد”؛ فالدول لا تتحالف بالضرورة ضد الأقوى، وإنما ضد من تتقاطع قدرته مع القرب الجغرافي والقدرة الهجومية والنوايا المدركة. بين المفهومين يمكن قراءة “اتفاق مكة” السعودي–التركي–الباكستاني: ليس باعتباره تحولاً تلقائياً في ميزان القوى، بل محاولة لإعادة ترتيب حسابات التهديد والردع داخل الإقليم.
تاريخياً، لا تساوي قوة التحالف مجموع قدرات أعضائه. فالناتو، مثلاً، يقوم في جوهره الردعي على المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، التي تعتبر الهجوم المسلح على أحد أعضائه هجوماً على الجميع، لكنها تترك لكل دولة تحديد الإجراء الذي تراه ضرورياً، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة. وهذا التفصيل مهم؛ فالتحالف لا يلغي القرار السيادي لأعضائه، ولا يجعل كل حرب يخوضها أحدهم حرباً جماعية. وقد ظهر ذلك في الحرب الأمريكية على إيران؛ إذ لم تتحول مشاركة الولايات المتحدة في الحرب تلقائياً إلى حرب يخوضها الناتو كحلف، بما يكشف الفارق بين الدفاع عن عضو تعرض لهجوم ضمن شروط التحالف وبين مساندة عضو في كل مواجهة يقرر خوضها. ومن هنا، فإن قيمة أي اتفاق دفاعي لا تحددها صياغة الالتزام وحدها، بل تعريف الاعتداء، ونطاقه، وآليات اتخاذ القرار عند الأزمة.
بهذا المعنى، يجمع “اتفاق مكة” ثلاثة فضاءات أمنية مختلفة: الخليج والأناضول وجنوب آسيا. وهذه نقطة قوة محتملة ومصدر تعقيد في الوقت نفسه؛ فالسعودية وتركيا وباكستان تمتلك قدرات متكاملة نسبياً، لكنها لا تتطابق بالضرورة في تعريف التهديدات أو ترتيب الأولويات. السعودية توفر الموارد وقدرة متنامية على التوطين الدفاعي، وتركيا قاعدة صناعية وخبرة في المسيّرات والحرب الإلكترونية والصواريخ، وباكستان خبرة عسكرية وعمقاً استراتيجياً وقدرات نوعية. غير أن جمع هذه العناصر لا ينتج تلقائياً قوة مشتركة؛ فالاختبار سيكون في تبادل المعلومات والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة والدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري والسيبراني.
إذا تحقق هذا التكامل، فقد ينتقل الاتفاق من “الردع بالعقاب” إلى تعزيز “الردع بالحرمان”؛ أي جعل الخصم يشك ليس فقط في قدرته على تحمل الرد، بل في إمكانية نجاح هجومه ابتداءً. كما يضيف الاتفاق بعداً جيو-اقتصادياً: السعودية عقدة للطاقة ورأس المال، وتركيا للصناعة والربط بين آسيا وأوروبا، وباكستان بوابة نحو جنوب آسيا والمحيط الهندي، بما قد يجعل حماية الممرات والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد جزءاً من وظيفة الأمن المشترك.
بالنسبة إلى إيران، لا يعني الاتفاق بالضرورة “تطويقاً”، لكنه قد يخفض، إذا تطور عملياتياً، العائد الاستراتيجي لبعض أدوات الصواريخ والمسيّرات والضغط غير المباشر عبر تحسين الدفاع والإنذار المبكر. وفي المقابل، قد تقرأ طهران ذلك باعتباره ارتفاعاً في مستوى التهديد فتطور قدراتها وشراكاتها، فتظهر المعضلة التقليدية: ما يزيد أمن طرف قد يقلل شعور الطرف الآخر بالأمن. أما وجود باكستان النووية فلا يعني تلقائياً مظلة نووية للسعودية أو تركيا، لكنه يضيف مستوى من عدم اليقين إلى حسابات التصعيد، مع ضرورة مراعاة حساسية التوازن الباكستاني–الهندي.
لذلك لا يمكن قياس “اتفاق مكة” بعدد الجيوش والأسلحة التي يجمعها، بل بما سينتجه مؤسسياً وعملياتياً: هل تتحول القدرات الوطنية إلى قدرة ردع مشتركة؟ وهل يستطيع أعضاؤه تحديد حدود التزاماتهم ومنع اختلاف مصالحهم من إضعافها؟ وهل يزيد أمنهم من دون إطلاق موازنة مضادة أكثر كلفة؟
وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل يقود “اتفاق مكة”إلى إقليم تصبح فيه الحرب أقل احتمالاً لأن كلفتها باتت غير مقبولة، أم إلى إقليم أكثر تسلحاً يؤجل المواجهة لكنه يجعلها، إن وقعت، أوسع وأصعب على الاحتواء؟ والأرجح أن الاتفاق، إذا اقترنت قوته بوضوح حدودها وضبط التصعيد، سيجعل الحرب أقل عقلانية دون أن ينهي التنافس؛ أما إذا تحول إلى مدخل لموازنة مضادة وسباق مفتوح للقوة، فقد يؤجل الصدام أكثر مما يمنعه. فالردع لا يصنع السلام بذاته، لكنه قد يجعل كسر السلام أعلى كلفة من الحفاظ عليه.



إرسال التعليق