عندما تعمي العاطفةُ البصيرة

رشيد مصباح (فوزي)

*

بينما كنتُ أمشي ذات يوم مع صديق تقاعد من الجيش، نسترجع ذكريات الأيام الجميلة، كانت شعوب كثيرة، عربية وإسلامية وغيرها من أحرار العالم، تعيش نشوة الانتصار بعد عملية ”طوفان الأقصى“. يومها قلتُ له: ”إن حماستنا هذه لا يجب أن تعمي أو تطغى على بصيرتنا“. فما كان منه إلّـا أن قاطعني بغضب قائلًـا: ”ليس هناك خيار آخر، وهذا ما كان يجب أن تفعله حماس والفصائل، إنها حرب مقدّسة…“ ولم يترك لي فرصة لإتمام كلامي.

ولم يكن ذلك الحوار سوى صورة مصغّرة لما كان يجري خارج ذلك الطريق الذي كنا نسير فيه. فقد كانت العاطفة أعلى صوتا من العقل، ومن حاول أن يدعو إلى التريّث أو التفكير في مآلات الأمور، كان يُتّهم بالخيانة مرّة، وبضعف الإيمان مرّة أخرى، وكأنّ الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، أو ضربا من ضروب الجبن أو الخذلان.

ولقد كتبتُ أكثر من مقال عبّرتُ فيه عن رأيي في المشروع الإيراني، وعن خطورة الارتماء في أحضان نظام الملالي والحرس الثوري، فخرج بعض الأصدقاء الافتراضيين يلومونني قائلين: ”لا تخيّب ظنّنا فيك يا فوزي، إنك ابن أصول، وإن أباك – رحمه الله – كان رجلًـا شهما“. وكأن الدعوة إلى إعمال العقل تعني بيع الدِّين والعرض.

لكنني لم أقل يوما إن فلسطين ليست قضيّتنا، ولا إن غزة لا تستحق أن ندافع عنها، وإنما قلتُ إن حب القضية لا ينبغي أن يعمينا عن رؤية الواقع. فليس كل من رفع شعار المقاومة يحمل المشروع نفسه، وليس كل من رفع راية فلسطين كان صادقا في الدفاع عنها. فالسياسة لا تُدار بالنوايا الحسنة، وإنما بحسابات المصالح والاستراتيجيات وموازين القوى.

لقد قلناها مرارا وتكرارا: إن الفصائل أخطأت التقدير السياسي والاستراتيجي عندما ارتمت في أحضان نظام الملالي، وظنّت أن تشابك المصالح الظرفية مع إيران يعني وحدة المشروع والمصير. فليس لأن إيران تختلف مع الولايات المتحدة وإسرائيل يصبح ذلك دليلًـا كافيا على أن أولويتها هي فلسطين. فالدول لا تحكمها العواطف، وإنما المصالح، ولا تعرف في نهاية المطاف إلّـا ما يخدم أمنها القومي ومشروعاتها السياسية.

ويكفي أن نتذكّر ما حلّ بالفلسطينيين في سوريا أيام نظام بشار الأسد، وما فعلته الأذرع الإيرانية في العراق ولبنان واليمن، لندرك أن الحديث عن ”وحدة الدِّين“ لا يكفي لتفسير التحالفات السياسية ولا لضمان الوفاء بها.

إن مشكلة كثير من شعوبنا ليست في عواطفها، فالعاطفة في ذاتها فضيلة إنسانية نبيلة، وإنما في أنها تسمح لها، وفي كثير من الأحيان، بأن تحلّ محلّ العقل، وللشّعارات بأن تقوم مقام التفكير. فهي تبكي مع الضحية، لكنها لا تسأل: من دفع بها إلى حافة الهاوية؟ ومن استفاد من مأساتها؟ وهل كان بالإمكان تجنّب هذه الكارثة أو التقليل من حجمها؟

واليوم، وقد مُحيت غزّة – إلى حدّ بعيد – من على وجه الأرض، واستُشهد عشرات الآلاف من أبنائها، وخفتت الأصوات التي كانت تملأ الدنيا ضجيجا، وعادت الجماهير إلى متابعة ”ميسي“ و”رونالدو“ ومباريات كأس العالم، يبقى السؤال نفسه قائما: أين الذين كانوا يمنعون غيرهم من حق الاختلاف في الرأي؟ وأين الذين كانوا يوزّعون شهادات الوطنية والإيمان على الناس؟

وها هي إيران نفسها تتعرّض اليوم لضربات موجعة، وتتغيّر معها كثير من المواقف والخطابات، حتى أصبح بعض الذين كانوا يرون فيها قلعة الصّمود والمقاومة يلقون عليها اللّوم بسبب ما جرّته سياساتها من أخطار على المنطقة.

إن مشكلة كثير من الأنظمة العربية والإسلامية لا تكمن فقط في افتقارها إلى النظرة الاستراتيجية، وإنما أيضا في أنها تهمّش الكفاءات وتقدّم المصفّقين على أصحاب الرأي، وتحارب المعارضة بدل أن تجعل منها شريكا في صناعة القرار. ولذلك كثيرا ما تكون أخطاؤها بحجم الأزمات التي تصنعها.

لقد علّمتنا هذه المأساة درسا قاسيا: أن العاطفة وحدها لا تصنع النصر، وأن الإخلاص للقضايا العادلة لا يعني تعطيل العقل، وأن الأمم لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالبصيرة التي تهدي الحماسة، وبالعقول التي تُحسن قراءة الواقع وتقدير العواقب. فما أكثر ما خسرناه يوم جعلنا من الاختلاف في الرأي خيانة، ومن السؤال تهمة، ومن التفكير ضعفا.

إن حماستنا يجب ألّـا تعمي بصيرتنا.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك