ماذا لو كان بجانب كل بيت طبيبٌ نفساني؟
رشيد مصباح (فوزي)
ماذا لو كان بجانب كل بيت طبيبٌ نفساني، وكانت لدينا ثقافة العلاج الدوري، كما هو معمول به في بعض المجتمعات التي أدركت أهمية الصحة النفسية؟ وماذا لو خضع أفراد الأسرة، من حين إلى آخر، لفحوص نفسية تساعدهم على اكتشاف ما يعتريهم من اضطرابات وعُقد قبل أن تتحول إلى أزمات؟
أعتقد أننا كنا سنُصدم بأرقام الحالات التي لم نكن نتوقّعها، والتي ظلت مختبئة خلف الأقنعة الاجتماعية. فليس كل ما يبدو اعتدالًـا في السلوك دليلًـا على سلامة النفس، كما أن الإنسان قد يحمل في داخله من العقد ما لا يظهر إلّـا في مواقف معينة. ونحن، مثل سائر البشر، لسنا بمنأى عن الضعف النفسي، وإن اختلفت درجاته وأشكاله.
غير أن غياب هذه الثقافة لا يعني استحالة ملاحظة بعض الاختلالات. فهناك تصرّفات لا تحتاج إلى تشخيص طبّي حتى تكشف عن خلل في طريقة التفكير أو التعامل مع الآخرين. وقد يستطيع الإنسان المتّزن، بحكم الملاحظة والتجربة، أن يلتقط إشارات واضحة في سلوك بعض الناس، وإن كان الحكم النهائي على حالتهم يظل من اختصاص أهل الاختصاص.
ومن خلال تجاربي المتواضعة، أدركتُ أن بعض المشكلات النفسية والسلوكية لا تُعالج بالأدوية الصيدلانية والمهلوسات، لأنها تزيد الطين بلّة، بل تحتاج إلى مواعظ.
فالكبرياء، مثلًـا، من الصفات التي تستفحل في النفوس حتى تصبح عائقًا أمام صاحبها. وقد رأيناه بين عامّة الناس وخاصّتهم، بل وبين بعض النخب والمثقّفين الذين يفترض أن يكونوا أكثر وعيًا بحدود الإنسان.
والتواضع، في نظري، من أنجع ما يردع هذا الدّاء. لكنه علاج لا يستسيغه المتكبّر؛ لأنه يطال الصورة التي صنعها عن نفسه، ويطالبه بالنزول من المكان الذي نصّب نفسه فيه. ولذلك قد يفضّل بعضهم الاستمرار في مرضه على قبول ما يمكن أن يحرّره منه.
وإذا كان الكبرياء يجعل الإنسان يرى نفسه أكبر من حجمه، فإن الوهم قد يجعله يرى نفسه في غير واقعها. والوهم، حين يتحوّل إلى طريقة دائمة في التفكير، قد يدفع صاحبه إلى بناء عالم خاص به، يصدّق فيه ما يتمنّى، لا ما هو قائم بالفعل.
وهنا لا يكفي أن نطالبه بالتواضع، لأنه قد لا يكون مدركًا لحقيقة ما يعيشه. إنه يحتاج إلى من يساعده على استعادة صلته بالواقع، ويفتح أمامه طريقًا لفهم نفسه ومحيطه بعيدًا عن الأحلام التي تحوّلت إلى قناعات.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي قد زادت من سرعة انتشار هذه الظواهر. فقد أصبح بإمكان الإنسان أن يصنع لنفسه صورة ضخمة، وأن يحيطها بكثرة التعاليق والمشاركات والإعجاب، حتى ينسى أن ما يراه على الشاشة ليس بالضرورة انعكاسًا لحقيقته. وقد يتحوّل الإعجاب المتكرّر إلى وهم بالمكانة، ويصبح النقد عندئذٍ إهانة، والنصيحة اعتداءً على الكرامة.
لكن المشكلة لا تكمن في وسائل التواصل وحدها، بل في النفوس التي تدخل إليها محمّلة بعقدها وأوهامها. فهي لا تصنع كل الأمراض من العدم، لكنها قد تمنح بعضها مساحة أوسع للظهور والانتشار.



إرسال التعليق