الاردن في قلب العاصفة – انكشاف العش السرّي

اسعد عبدالله عبدعلي

شهدت الساحة الإقليمية تحولاً دراماتيكياً وحاداً في طبيعة المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، حيث لم تعد قواعد اللعبة التقليدية قادرة على ضبط إيقاع الصراع المشتعل. فبعد تجدد الجولات العنيفة من المواجهات الميدانية, والتي انطلقت شرارتها المدوية عقب التصعيد العسكري الأمريكي – الإسرائيلي الأخير وتوسيع نطاق ضرباته الاستباقية, لاحظ المراقبون والمحللون العسكريون تغيراً هيكلياً وجذرياً في معالم “بنك الأهداف” الذي تتولى طهران استهدافه, وإعادة ترتيب أولوياته وفق حسابات الردع الجيوسياسي.

فطوال الأشهر الماضية من عمر هذه الأزمة المتصاعدة، كانت القواعد الأمريكية التكتيكية والمنشآت الحيوية الممتدة على طول جغرافية الخليج العربي, ولاسيما الأصول الاقتصادية والعسكرية البارزة في دبي وأبوظبي تشكل المسرح الرئيسي, والهدف المفضل لموجات متتالية من الصواريخ الباليستية الدقيقة وسروب الطائرات المسيرة الإيرانية الانتحارية.

غير أنه وخلال الأسبوعين الماضيين تحديداً، انحرفت بوصلة الردع الإيراني بشكل مفاجئ، مكثف ومدروس، متجاوزة مياه الخليج لتركز نيرانها شمالاً نحو عمّان والعمق الأردني؛ الأمر الذي أتاح انكشافاً استخباراتياً لشبكات وقواعد سرية كانت تعمل بعيداً عن الأضواء، ووضع المنطقة بأكملها أمام مرحلة جديدة كلياً تتداخل فيها إعادة التمركز الأمريكي مع إصرار طهران على ملاحقة نفوذ واشنطن أينما حلّ.

· انكشاف الستار عن “العش السرّي”:

لم تكن الموجات المتتالية من الضربات الإيرانية الأخيرة ضد الاردن مجرد توسيع عشوائي أو اعتباطي, لنطاق الرقعة الجغرافية للمواجهة المشتعلة، بل جاءت وليدة تقارير استخباراتية دقيقة واختراقات معلوماتية عميقة, أظهرت أن المملكة الأردنية الهاشمية تحولت عملياً وبعيداً عن عدسات الإعلام, إلى الحاضنة اللوجستية والعسكرية الأكثر خطورة وتأثيراً للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، متجاوزة بذلك الأدوار التاريخية التي كانت تؤديها القواعد الخليجية التقليدية.

وقد استهدفت تلك الضربات المكثفة شبكة معقدة من المواقع والتسهيلات العملياتية, التي طالما أُديرت تحت غطاء أمني وعسكري مشدد؛ الأمر الذي أسفر عن نتائج ميدانية ملموسة أربكت حسابات واشنطن وحلفائها. فقد أدى القصف المباشر إلى كشف النقاب عن منشآت سرية ومدرجات هبوط ومرافق صيانة خفية, كانت تُستخدم لإيواء وإدارة أسطول متطور من المقاتلات والطائرات المسيرة الأمريكية.

ولم تتوقف تداعيات هذا الهجوم عند حدود الأضرار المادية البالغة التي لحقت بالآليات والعتاد العسكري الحساس، بل تجاوزتها إلى وقوع خسائر بشرية في صفوف الأفراد العسكريين الأمريكيين بين قتيل وجريح، وذلك داخل مواقع ومقار كانت تُصنف حتى وقت قريب بأنها مناطق خلفية وآمنة تماماً بعيدة عن طائلة النيران.

هذا الانكشاف العسكري السريع والمباشر هو ما أحدث تحولاً لافتاً في القراءة التحليلية لدى وسائل الإعلام الغربية؛ إذ دفع صحيفة “نيويورك تايمز” للإشارة صراحة وبوضوح إلى أن الأردن بات اليوم يدفع الثمن الباهظ والباكر, لقاء استضافته لتلك القواعد الأمريكية التكتيكية فوق أراضيه.

· بين الهروب الاستراتيجي والملاحقة الصارمة:

ان التحول الناري نحو العمق الأردني يعكس التحول المفاجئ لخطوط النار, واستهداف الأراضي الأردنية, حيث كانت التحركات الاستراتيجية بالغة الدقة أقدمت عليها القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، والتي سرعان ما قابلتها طهران بشرارة ردع مضادة ومدروسة أربكت التوازنات الميدانية.

فبعد الكثافة النارية العالية التي تعرضت لها القواعد والمنشآت الأمريكية المنتشرة في دول الخليج العربي، ونظراً للقرب الجغرافي المباشر لتلك القواعد من الشواطئ الإيرانية, مما جعلها عرضة للاستهداف الفوري، سارعت قيادة (CENTCOM) إلى تنفيذ عملية إعادة تموضع لوجستي واسعة. وشمل هذا التحرك نقل أجزاء حيوية من مراكز القيادة والسيطرة، وطائرات الاستطلاع، والأصول التكتيكية الثمينة بعيداً عن حافة الخليج وتجميعها في العمق الأردني، باعتباره ملاذاً ومحيطاً استراتيجياً أكثر أماناً وبعداً عن نطاق الصواريخ الإيرانية قصيرة ومتوسطة المدى.

إلا أن هذا الرهان الأمريكي تصادم مع إدراك استخباراتي إيراني لطبيعة الموقع الجغرافي الحاكم للأردن، والذي يقع مباشرة على خط الطيران والمجال الجوي الفاصل بين الأراضي الإيرانية والعمق الإسرائيلي. وتدرك طهران جيداً أن القواعد والمنظومات العسكرية الأمريكية في الأردن لا تقتصر على تقديم الدعم اللوجستي الإسنادي، بل تشكل عملياً غرف عمليات متقدمة ومحطات تشويش وإعاقة إلكترونية تُعطى أولوية قصوى كخط دفاع أول يعمل على إحباط وإنهاك الصواريخ والمسيرات الإيرانية قبل وصولها إلى أهدافها النهائية.

ومن هذا المنطلق، جاء القصف الإيراني المركّز لتفكيك هذا الجدار الدفاعي المتقدم، حاملاً في طياته رسالة جيوسياسية حازمة وصارمة وجهتها طهران إلى صناع القرار في واشنطن والمنطقة، مفادها أنه لا توجد أي نقطة آمنة أو ملاذ خلفي يمكن أن يلوذ به الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، مهما بلغت مستويات السرية أو التمويه أو التحصين الجغرافي.

· الأردن في قلب الإعصار:

وجد الأردن نفسه فجأة في مواجهة كابوس جيوسياسي ثلاثي الأبعاد, أعاد تشكيل تموضعه في المنطقة بشكل جذري. فتجليات الضغط العسكري المباشر تجسدت في تحول الأراضي الأردنية ومجالها الجوي إلى ساحة مفتوحة لتبادل الضربات الصاروخية والهجمات الاستخباراتية المتبادلة بين واشنطن وطهران، مما سلب عمّان قدرتها التاريخية على تحييد جغرافيتها عن الصراعات المباشرة.

ولم يتوقف الأمر عند حدود التهديد الميداني، بل امتد ليعكس حالة من الانكشاف السياسي والحرَج الميداني أمام الرأي العام الداخلي والإقليمي، وذلك عقب تكشف حجم ونوعية التسهيلات العسكرية واللوجستية المتقدمة المقدمة للقوات الأمريكية على أراضيه، والتي تجاوزت أطر التعاون التقليدي إلى إيواء مراكز قيادة وسيطرة تكتيكية. هذا الوضع وضع السيادة الوطنية أمام اختبار حقيقي ورسخ المخاطر الناجمة عن حتمية انجرار المملكة إلى معادلة صوفية من الرد والرد المضاد بين القوى العظمى والإقليمية، دون أن تملك خيار النأي بالنفس.

ويبرز هذا التحول عند عقد مقارنة بين الملامح السابقة للنزاع والواقع الميداني المستجد؛ إذ تحولت جبهة الخليج العربي من مسرح رئيسي للعمليات وهدف مباشر ومفضل للضربات الإيرانية المكثفة إلى منطقة اشتباك منخفضة الكثافة نسبياً، بعدما نجحت طهران في نقل ثقل المواجهة شمالاً. وفي المقابل، انتقل العمق الأردني من كون منطقة حلفاء خلفية تتسم بـ “الحياد الحذر” والمستقر إلى غرفة عمليات تكتيكية للقيادة الأمريكية ومركز استهداف مباشر للصواريخ والمسيرات الإيرانية.

هذا التبدل في جغرافية النار أجبر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) على تعديل استراتيجيتها التكتيكية بشكل كامل، متخلية عن تركيزها الساحلي التقليدي على القواعد الشاطئية وحركة الأسطول في مياه الخليج، لصالح إعادة التمركز والتحصن في القواعد البرية الشامية وفي مقدمتها الملاذ الأردني، وهو ما جعل عمّان تقف اليوم في منتصف إعصار المواجهة الإقليمية بلا سواتر مجازية.

· ماذا بعد خطيئة الاردن؟

يقف الأردن اليوم عند مفترق طرق تاريخي بالغ الخطورة؛ إذ إن اندماجه الكلي في الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية، وتحوله إلى ثقل لوجستي وقاعدة متقدمة للعمليات، قد سلبه مرونة “الحياد التقليدي” التي طالما حمت استقراره الجيوسياسي.

إن التبعات المستقبلية لهذا الخيار لا تقتصر على الانكشاف العسكري المباشر وجعل الأراضي الأردنية ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية فحسب، بل تمتد لتُحدث شرخاً عميقاً في الداخل الأردني بين الالتزامات السياسية للنظام, والوجدان الشعبي الرافض للبوصلة الإسرائيلية. وبذلك، يجد الأردن نفسه يُقايض أمنه الاستراتيجي وسيادته الوطنية مقابل ضمانات مظلة حماية خارجية، في معادلة قد تجعله الثمن الباهظ والأول لأي انفجار إقليمي شامل.

· إعادة رسم الخارطة:

تُثبت تحولات الميدان الممتدة من شواطئ الخليج العربي إلى العمق الأردني, أن قواعد اللعبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط قد أُعيد تشكيلها كلياً؛ إذ لم يعد مفهوم “الملاذات الخلفية الآمنة” قابلاً للصمود أمام دقة الاستخبارات وكثافة نيران الردع المتبادل.

لقد كشفت الأزمة الأخيرة أن محاولات القيادة المركزية الأمريكية لإنشاء خطوط دفاع وإعاقة متقدمة في الجغرافيا الأردنية قد قُوبلت باستراتيجية إيرانية مصممة على إسقاط أي جدار لحماية الاعداء, وان التحول الشامل للرقعة الجغرافية للصراع على أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أشد خطورة، تتلاشى فيها المساحات الرمادية ويغدو فيها سياسيو المنطقة وأطرافها الإقليمية أمام استحقاقات سيادية غير مسبوقة.

وفي ظل هذا المشهد المفتوح على كافة الاحتمالات، يبدو أن القادم لن يقتصر على مجرد تعديل في التكتيكات العسكرية للرد والرد المضاد، بل سيفرض إما إعادة رسم جذرية وشاملة للهندسة الأمنية في الشرق الأوسط، أو الانزلاق نحو مواجهة استنزافية موسعة تدفع فيها النُّظم الإقليمية أثامناً باهظة لقاء تموضعها في خطوط النار.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك