ثقافةدراسات و تحقيقات

المتحف الوطني العراقي ..شعاع زاهر من ألق الحضارات الغابرة

تحقيق وتصوير / احمد الحاج

لطالما تمنيت في قرارة نفسي ، يحدوني أمل، ويستبد بي شوق لزيارة المتحف الوطني العراقي لأمتع ناظري ببقايا لقى وآثار وتحف ونفائس لا تحصى ولا تقدر بثمن تعود الى حقب سحيقة تجسد بمجموعها ماضي العراق العريق، وحضاراته الزاهرة الضاربة في القدم ،ولكن وعلى قول المتنبي “ما كل ما يتمنى المرء يدركه .. تجري الرياح بِما لا تشتهي السفن”، فكثرة العمل والتنقل والسفر والترحال، كذلك مشاغل الدنيا وهمومها، ولاسيما في بلاد الرافدين ، حيث حروب وأزمات لاحصر لها تنكح أخرى،وكلما خمدت نيرانها في جانب ، أشعل فتيلها ، وسُعِّر أوارها في جانب آخر ..حيث فقر وبطالة وفاقة وقلق وتوجس جمعي يتناسل من فوضى دائمة وإضطراب ..حيث نفق مظلم لا بصيص من نور في نهايته ولا شعاع ..حيث الكل يتحدث للكل عن ضرورة وأهمية الوحدة الوطنية والاصلاح المجتمعي والتغيير السياسي والوفاق والسلام والوئام ، ولكن وللاسف الشديد ،لا شيء من ذلك ملموس ومنظورعلى أرض الواقع الا لماما ، بل على العكس من ذلك فهناك “تحت الرماد وميض جمر…يوشك أن يكون لـه ضـرام ” على وصف نصر بن سيار الكناني ،يوم إستصرخ بني قومه لنجدته قبل فوات الأوان فلم يستجيبوا له وذهب ملكهم الى غير رجعة بصرف النظر عن حبنا أو بغضنا لسيار ولقومه،فالأمثال تضرب ولاتقاس،والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول الاصوليون والمفسرون ..مؤتمرات صحفية عجيبة ، تسريبات صوتية مريبة.. لقاءات فضائية وإجتماعات علنية وسرية غريبة .. تصريحات وتغريدات وبوستات متشنجة ،بعضها بعيدة والأخرى قريبة، كلها تنذر وتحذر بلسان الحال والمقال مما سبق لإبن سيار أن حذر قومه منها في البيت الثاني من القصيدة” إنّ النار بالعـودين تذكـى ..وإن الحرب مبـدؤها كــلام !!” .

ليس العمل وكثرة المشاغل والترحال وحدها ما حال بيني وبين زيارة المتحف العراقي طيلة السنين الماضية ،إغلاق المتحف لفترات ليست بالقصيرة أمام الزائرين ،في حقب زمنية وسياسية مختلفة ، لأغراض الصيانة والترميم والتوسعة والتأهيل تارة، ولصون الاثار والحفاظ عليها من العبث أخرى،كان لها دور كبير في تأخير تلكم الزيارة المهمة طويلا !

ورب سائل يسأل “ولماذا كل هذا التوق فضلا على الشوق لزيارة المتحف العراقي ؟”.

واقول للسائل الكريم ” كيف لا أتوق لزيارة المتحف وفي زيارته تقليب للطرف،وإمتاع للعقل ، ومؤانسة للنفس ،وإمعان للنظر بحضارة بلاد وادي الرافدين ..الحضارة التي ما ذكرت يوما الا وذكر معها إختراع الكتابة والعجلة والخزف والخارطة والشراع والاختام الاسطوانية والروزمانة الزراعية وفهرس المكتبات والمجلس التشريعي ومفهوم الوقت والرياضيات والمظاريف وتخطيط المدن وصناعة الطابوق وغيرها من الاختراعات والابتكارات والاكتشافات المذهلة والكبيرة والكثيرة الاولى في التاريخ الانساني وقد أبدعتها حضارات وادي الرافدين المتعاقبة قبل إنتقالها الى باقي الأمم والحضارات وإقتباسها تباعا في أرجاء المعمورة ، بحسب” World History Encyclopedia”.

موقف مؤلم وخبران مستفزان وثالث سعيد خلف الرغبة !

خبران مستفزان والثالث مفرح كانت الدافع الأهم في شحذ همتي لزيارة المتحف الوطني فور الاعلان عن إفتتاحه مجددا أمام الزائرين لعل الفرصة لاتسنح لمثلها مستقبلا، وابدأ بالخبرين المستفزين لأختم بالمفرح .

الاول تمثل بعرض نماذج تعود الى الحضارة العراقية القديمة في لوفر ابو ظبي ولايُعلم كيف وصلت الى هناك وقد قيل أن بعضها سبق وان سجل فقدانها من العراق بعيد الاحتلال الأميركي،كما لايعلم فيما اذا كانت تلكم القطع مقلدة وغايتها العرض أمام الزوار فحسب ، أم انها حقيقية 100% !

اما الموقف المؤلم فخلاصته أني وفي زيارة سابقة وخاطفة الى دبي للمشاركة في واحد من المؤتمرات الاعلامية هناك جاء بالتزامن مع إقامة معرض للحضارة العراقية في ابو ظبي ، قبل إفتتاح لوفرها بسنين ، وذلك من خلال إستعارة عدد كبير من الاثار والنفائس العراقية الموجودة في بريطانيا منذ عهد الانتداب – الاستعمار البريطاني – وعرضها في الامارات لمدة محدودة ، هنا فقط تمكنت أنا العراقي من مشاهدة حضارة بلادي المسروقة بريطانيا والمعروضة اماراتيا وفي مفارقة عجيبة تحار فيها العقول وتتفت من جرائها الاكباد ، وخلاصتها ” مواطن عراقي يشاهد آثار بلاده المنهوبة بريطانيا ، في بلد آخر غير بلده ، عرضا وبالصدفة ” ولولا المؤتمر الاعلامي لما شاهدت آثار العراق القادمة من بريطانيا والمعروضة ..أين ؟ في الامارات ، ومثلها موجود في لوفر باريس، ومتحف برلين ،ومتروبوليتان نيويورك ، وعلى قول جدي رحمه الله تعالى “واي واي ” ، وقول الملا عبود الكرخي ” لا قيم الركاع من ديرة عفج !” .

الخبر المستفز الثاني وإن كان مفرحا فيما يتعلق بعراقة وأصالة الحضارة العراقية، تمثل بتجوال قطع نادرة للاثار العراقية القديمة تعود الى ما بين 2000 – 3000 ق.م ضمن معرض بريطاني متنقل للاثار خارج لندن ،والحق يقال فإن تقرير هيئة الاذاعة البريطانية كان مبهجا ومنصفا في معرض تقييمه للمعرض المتنقل مؤكدا ، أن” شعب العراق القديم قد طور العديد من الامور من الكتابة الى العجلة وصولاً إلى المدارس، اضافة الى اساليب الري وقياس الوقت الذي نستخدمه حتى يومنا هذا ” .

اما الخبر المفرح وكما طالعتنا به النشرات الاخبارية فتمثل بإعادة مجموعة آثار عراقية من بريطانيا مؤلفة من 156 لوحا طينيا منقوشا،تشتمل على وثائق ادارية ورسائل ونصوص مدرسية وحسابات رياضية يعود تاريخها الى ما بين 2100 – 1800 قبل الميلاد، تعود الى السلالة الحاكمة الثالثة لمملكة أور،أو السلالة البابلية القديمة!

من هنا بدأت الحكاية ..

المتحف العراقي وكما جاء في موسوعة الويكيبيديا بدأ في ركن صغير بمبنى القشلة عام 1924 ،ومن ثم إنتقل الى مبنى آخر عام 1926 في شارع المأمون،قبل أن يتحول الى مبناه الكبير والانيق بمنطقة العلاوي سنة 1966 .

ويضم المتحف العديد من القاعات لعل من أبرزها القاعة السومرية ،والبابلية ،وقاعة اللقى والمنحوتات الاشورية ،العاجيات ،والكتابة المسمارية، والاثار الكلدانية،والحضر،اضافة الى قاعات العصور الأولى ، والعصور الاسلامية .

المتحف كان مغلقا بين عامي 1990 -1999، وافتتح لمدة ومن ثم أغلق ،ليعاد افتتاحه عام 2003 لفترة ثم أغلق ،ليعاد إفتتاحه عام 2008 ،ومن ثم في 2009 ،فعام 2015،وهكذا دواليك ليعاد افتتاحه في 2022 وذلك بعد تأهيله وتسلم الكثير من القطع الاثارية المفقودة من العديد من دول العالم ، ومازالت ادارة المتحف مشكورة تواصل وبالتنسيق مع الجهات المعنية حملتها الدولية الدؤوبة لإسترداد ما تبقى من المفقودات التي ما تزال في ضمير الغيب ،ولاتقدر بثمن !

وأخيرا صار الحلم حقيقة !

دخلت الى المتحف العراقي وكنت أكاد أطير فرحا وكان عليَّ قطع تذكرة ثمنها 3 الاف دينار فقط لاغير” يابلاش” وقبل الدخول طلب المشرف على تدقيق التذاكر وبكل أدب وإحترام الامتناع عن التصوير الفيديوي، وعدم لمس القطع الاثارية المعروضة، والاكتفاء بالتصوير الفوتوغرافي فحسب ..فقلت له مبتسما”بس هاي ..تدلل أغاتي “.

وهكذا بدأت الجولة الماتعة في أرجاء الصالات الأنيقة ،والقاعات المكيفة بوجود عدد لابأس به من السُياح الاجانب من آسيا وأوربا برفقة مترجمين عراقيين محترفين كانوا يتفانون في شرح كل شاردة وواردة لهؤلاء الأجانب ومن دون كلل ولا ملل عن حضارة بلادهم العريقة .

فمن ما يسمى بترنيمة تتويج آشور بانيبال ،ملك الإمبراطورية الآشورية الحديثة ،ورابع ملوك السلالة السرجونية،وحفيد سنحاريب،ومن أعظم منجزاته تأسيس أول مكتبة بشكل منهجي في العالم عبر التاريخ ، تضم أكثر من 30 ألف لوح طيني وهي السبب وراء بقاء “ملحمة جلجامش “!

وتقول ترنيمة التتويج المهمة في بعض سطورها :

(عسى أن يعطى عطية البلاغة ، الفهم ،الحق ،والعدالة) .

(عسى ان يتكلم الوضيع ،ويستمع العظيم )= الاستماع الى صوت الجماهير.

(عسى أن يتكلم العظيم ،ويستمع الوضيع ) = الانصياع الى أوامر وقرارات الملك .

(عسى أن يعم الوفاق والسلام في آشور)= مصالحة وطنية ونبذ العصبيات والنزاعات .

(آشور هو الملك ..حقا آشور هو الملك) .

مرورا بتمثال من الحلان لأمير حليق الذقن ، أنيق الملبس عثر عليه في مدينة الحضر يعود الى الحقبة الهلنستية (312 – 139 ق.م ).

الى ألواح حجرية من جدران قصر الملك الاشوري شاروكين 721 – 705 ق.م تجسد احتفالا ملكيا بحضورالملك وقائد الجيش وعدد من موظفي القصر،عثر عليها في خرسباد ( دور- شاروكين ) وتعني حصن سرجون ،وكانت عاصمة الامبراطورية الحديثة في عهد الملك سرجون الثاني .

الى لوح حجري من الرخام يعود تاريخه الى 710 ق.م ويظهر عربة حربية يجرها حصانان والى جانبهما جندي ، وأسفلها مشهد لمجموعة من الجنود الاشوريين وهم يهاجمون الاعداء بالسهام، بعضهم وقوفا وبعضهم ركوعا .

مرورا بلوح يظهر ملكا آشوريا بمنظر جانبي يتدلى شعره الى كتفيه وبلحية طويلة مستطيلة ، يقف خلفه رجل يلبس ثوبا طويلا قصير الاكمام ويمسك بأحد كفيه نباتا .

الى لوح حجري من الرخام يظهر رجالا ينقلون الاثاث …ولوح من الرخام لثيران مجنحة كانت تعرف بإسم لاماسو توضع في مداخل المدن والقصور والمعابد لإثارة الرهبة في قلوب الداخلين …فلوح يجسد شخصا آشوريا يجر حصانين …تمثال ضخم من حجر الكلس عثر عليه في مدينة كلخو الاثارية (نمرود ) ..تمثال كبير من حجر الكلس عثر عليه في مدينة كلخو لرجل آشوري يتعبد …منصة عرش الملك شلمنصر الثالث (858-823 ق.م ) ودام حكمه 35 عاما ، وهو ابن الملك اشور ناصر بال الثاني ،وقد اتسم عهده بالحروب والاضطرابات ..المنصة تظهر وفودا ترافقها الخيول ، واشخاصا يقدمون الهدايا الثمينة ، وقائد الجيش مع كبار المسؤولين والخدم …تمثال من الرخام للملك شلمنصر الثالث وقد نقشت على جوانبه باللغة المسمارية ألقابه ونسبه وأشهر أعماله وحملاته ومعاركه …لوح من الرخام لمعركة يهاجم فيها الجنود حصنا عن طريق السلالم والملك الاشوري على عربة يراقب مجريات المعركة …قطع مختلفة الاحجام والالوان من الفخار وأنواع من المباخر المستخدمة آنذاك …تحفيات وحلي وقطع اثاث وادوات صيد ومطبخ متنوعة …رقم طينية تتضمن مضامين اقتصادية مختلفة …جانب من سور احدى المدن القديمة …ابر ومراود واقراص وادوات تطعيم وادوات خياطة ..تماثيل لملوك وامراء واميرات وقادة جيوش ..قلائد واقراط نسائية وادوات زينة مختلفة ،وهكذا دواليك وبما لايتسع المقام لذكرها جميعا وبما هو موثق بالصور .

تأبطت أوراقي،وأطفأت كاميرتي ، ويممت وجهي مسرورا من فوري شطر أقرب مقهى شعبي بمنطقة العلاوي المكتظة بالباعة والكادحين لأشرب الشاي المهيل بـ” قواري الفرفوري على الفحم” يحدوني أمل بأن أتجاذب أطراف الحديث مع عدد من زبائن المقهى بشأن ماضيهم العريق الذي يعرض المتحف الوطني القريب جانبا منه ، واذا بنشرة الاخبار من إحدى الفضائيات العراقية وهي تتحدث كالمعتاد عن أزمة سياسية حادة وخانقة بين الفرقاء السياسيين وكلهم يتبادلون الاتهامات فيما بينهم ويلقون بالكرة في ملعب الاخر، فقال أحد الزبائن وبعصبية بالغة وقبل أن أنبس ببنت شفة “معقولة كانت عندنا حضارة عمرها 7 الاف عام في عمق التاريخ ..وهذا هو واقعنا المأساوي ومنذ عقود ..؟ ما أصدك !” ، فقلت وبعد أن صرفت عن ذهني تماما فكرة الحديث مع الزبائن عن الحضارة والاثار والتاريخ والتراث خشية أن يسمعونني من الكلام الجارح ما لا أطيقه ولا أتمناه ” .

وهل يعقل بأن اكبر بلد في احتياطي النفط والغاز يستورد الغاز والبنزين المحسن من الخارج …وهل يعقل بأن بلاد ما بين النهرين تعاني من شح حاد في مياه الشرب والسقي ..وهل يعقل انه وبعد انفاق 80 مليار دولار على المنظومة الكهربائية مع التهليل لمشروعين عملاقين لايخلوان كميناء الفاو الكبير وغيرها من المشاريع المتلكئة والمتوقفة من تجاذبات سياسية ، الاول ربط خليجي ، والثاني ربط ايراني بينما الكهرباء مقطوعة في كل ارجاء العراق حاليا في عز تموز اللاهب ولولا المولدات الاهلية وعلى قول الاشقاء المصريين ” لغرقنا بشربة ..ميه ” ،العبرة ليست بالأمم والشعوب والحضارات، العبرة بمن يسوسها ويخطط لها ويقودها، هل الى الوراء وبعكس السير يمضي بها سريعا – كبول البعير-، أم بخطى صحيحة وواثقة يقودها الى الامام …ياقوم ؟! اودناعكم اغاتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى