ثقافة

الفكر القومي / الإسلامي ….

ضرغام الدباغ

هذه المنطقة، الوطن العربي الكبير، كبيرة وإن جن جنون المفترون، ومات بغيظهم الشعوبيون، نحن نكتب أشعارا رائعة قبل 1700 عاماً بمقايس اليوم ويوم كانت شعوب كثيرة ما تزال تلعب على الأشجار، نحن نعزف على القيثارة ونعلم الشعوب الموسيقى، ونرسم، ونؤسس حضارة لها أبعادها وشخصيتها. قبل عصر النهضة (الرينسانس) بأربمعمائة عام ….! واليوم يواصل أدباؤنا وفنانونا وعلماؤنا السير إلى الأمام والتقدم والعمران الذي وضعنا نحن فلسفته على يد أبن خلدون .. أمه تنهض رغم الألغام والعراقيل والمعوقات .. الأزمة في جوهرها عندهم وليست عندنا وسيكون لنا مجلس وديوان في رحاب الحضارة والتاريخ ..وهذا يميتهم غيضاً …! نتعرض بين حقبة وأخرى، لمحاولات، تبدو في وقتها ويومها ذات شأن، ولكنها تتلاشي وتضمحل ولا يبقى منها سوى الدهشة ..!.. في ساحة التاريخ الفسيحة سيزول من هو طارئ، ويبقى الأصيل ويزدهر …

  • * * *
    صفة فريدة : الالتحام بين الفكر القومي العربي والإسلام
    واستطراداَ في مناقشة فكرة الدولة القومية، نتيقن أنها ليست فكرة إقطاعية. ولو كان الأمر كذلك لكانت أوربا قد أدركته خلال عصور الهيمنة الإقطاعية الطويلة على المجتمعات الأوربية، كما أنها ليست بورجوازية، فلو كانت كذلك فكيف أنتبه لها أبن خلدون بهذه الدرجة من الوعي. أن فكرة الدولة القومية هي جزء من الوعي السياسي لأي شعب يحس ويشعر بكيانه ويدرك أبعاد وحدود بلاده ومصالحه الحيوية والاقتصادية في المقام الأول. كما يشعر بلغته وتميزها، وثقافته وتأريخه. فقد كانت حقيقة تاريخية قد ترسخت منذ العصور البابلية والآشورية، أن جبال الأناضول شمالاَ وجبال زاغروس شرقاَ مثلت الحدود الطبيعية لمنطقة كانت على الدوام مرتعاَ لشعب سام يتألف أساساَ في معظمه الغالب من أقوام هاجرت من شبه الجزيرة العربية ، منذ أن جفت شبه الجزيرة، واستوطنت أحواض الأنهر وذلك قبل لا يقل من 5 ألاف سنة قبل الميلاد، ومضت تواصل تثبيت ألوانها الثقافية، وتكتسب ملامح محددة بمرور الوقت، أنماط معيشة واقتصاد، ثقافة ولغة، عادات وتقاليد، شدتها مفردات الحياة وأحداث تاريخية إلى بعضها البعض. وقرأنا في الألواح البابلية لأول مرة كلمة عرب، عربو، أرابيا، بحدود ألف قبل الميلاد فصاعداَ.

ويكتب الفيلسوف الهنغاري المعاصر جورج لوكاس شيئاَ يقارب ما نذهب إليه : من أن لا قاعدة نهائية للمسالة القومية، فهذه تتشكل وتتكون وتنعقد شروطها وصفاتها بصورة قد تتفاوت من مكان لآخر ومن مرحلة لأخرى، فيقول : ” وعلى نقيض الوضع في إنكلترا أو فرنسا حيث كان التوجه السياسي لأمة قد تحقق فعلاَ بشكل أساسي عندما طرح التصور الاقتصادي للرأسمالية، مسألة الثورة الديمقراطية البورجوازية (القومية) على جدول الأعمال. ولكن تطور ألمانيا قد انطوى على تناقض، وهو أن المجتمع البورجوازي الناشئ كان عليه أن يحقق الوحدة القومية أولاَ وأن تحقيق الوحدة القومية أصبحت المسألة المحورية من ثورتها الديمقراطية البورجوازية “.
وحول المسألة القومية أيضاَ، وانطلاقاَ من فكرة أننا لا يمكننا أن نحكم أو أن نقيم أحداث جرت قبل ألف وأربعمائة عام بمقاييس اليوم، إذ لا بد من الأخذ بالاعتبار، الظروف الموضوعية والذاتية لتلك الأزمنة، والأمر كذلك فعلاَ، فيقول الأستاذ البريطاني (اللبناني الأصل) البرت حوراني، إن فكرة القومية العربية الحالية اكتسبت قوة سياسية في القرن العشرين ولكن: ” إذا ما توغلنا في الماضي نجد أن العرب كانوا دوماَ يحسون إحساساَ فريداَ خاصاَ بلغتهم، وأنه كان قبل الإسلام إحساس عرقي، أي نوع من الشعور بأن وراء منازعات القبائل والعائلات وحدة تضم جميع الناطقين بالضاد والمنحدرين من القبائل العربية.

أين يتركز الهجوم المعادي على الأمة العربية …؟
بعض الجهات المعادية (وهي جهات استعمارية عريقة) تمتلك خبرة طويلة في الأنشطة المعادية للأمة العربية، بحيث اكتشفوا نقاط القوة والضعف، وسياسة التصدي والإحباط للأمة مارسوها منذ القرن التاسع عشر، عبر بعثاتهم الاستكشافي / الاستخبارية، ثم عبر تغلغلهم السياسي، ثم احتلالهم، ثم في عهود الانتداب وبعدها، إلا عناصر القوة والضعف هذه عند الأمة غير ثابتة فقد تتعرض للتصاعد أو التنازل، كما يحدث أنهم يبالغون في تقديراتهم السلبية، أو يبخسون قدر بعض العناصر، كما أنهم وبوصفهم أجانب، لا يمكنهم مقياس قوة العناصر الروحية والمعنوية، والخصائص العميقة للفرد العربي، والدوائر الاستعمارية تميل إلى سماع وتصديق التقارير الاستخبارية حرفياً، فلا يمكنهم وضع تصور دقيق لنفسية الأفراد وانفعالاتهم، وحجم التأثير الديني لدى الناس. ومن خلال قراءة كثيفة لمصادر كثيرة ومن دول عديدة، قلما تجد من يتفهم أعماق الفرد العربي.
وقد وجدت تلك الجهات ثلاثة نقاط قوة في هذا الجسم الممتد من المحيط الأطلسي وحتى الخليج العربي، ومن عدن وحتى سفوح الأناضول، ثلاث نقاط وهاجة، إن كان إطفاؤها مستحيل فلنضعفها على الأقل، وأرجح أن الإنكليز والفرنسيون يدركون ذلك، ولكن الأمريكان بأعتبارهم سخفاء (بسبب ثروتهم وقواهم العسكرية) يعتقدون هذا ممكن. النقاط الثلاثة هي :

  1. اللغة العربية، والعروبة.
  2. القرآن والإسلام.
  3. التلاحم بين الإسلام والعروبة.

ولهذا تحديداً (النقطة الأولى، اللغة والعروبة) تتبذل جهات عديدة جهوداً لإضعاف اللغة العربية كمقدمة لإضعاف اللحمة القومية، بوسائل عديدة، ولكنها مكشوفة، وقد جربت في العقود الماضية ولم تفض لنتيجة تستحق الذكر … كان التركيز القديم يعتمد استبدال الحروف العربية بأخرى لاتينية كخطوة أولى لفك شبكة الارتباطات. ولكن هذه الفكرة التي نجحت في تركيا ما بعد العثمانية ارتبطت بسلسلة تنازلات جوهرية عن الهوية التركية القومية والدينية، لذلك لم تلق نجاحاً كبيراً، بسبب أن من تصدى للفكرة كانوا مفضوحين في ارتباطاتهم وعداءهم للأمة والإسلام معاً، وفشلت الخطة لتناقضها الشديد.

الفكرة الأخرى وهي تطبق حالياً، استخدام تدريجي خافت بلا ضجة ولا صخب، في استخدام اللهجات المحلية، بل والمبالغة بها. وهي تطبق دون ضجيج بلا رد فعل ملموس من أجهزة الثقافة العربية. وهذه ستفشل ليس بسبب مقاومتنا لها، لا …. ولكن بسبب المناعة الذاتية في اللغة ومكونات الأمة .. فهو مخالف للمنطق والتاريخ. ويذكر مؤلفوا كتاب موسوعة تاريخ العرب (7 أجزاء)، من جامعة لايبزغ بألمانيا ما نصه : ” وإذ يمكننا الانطلاق من حقيقة: أن اللغة العربية واللهجات، إنما تعود في أصلها إلى عائلة اللغات السامية، ومنها لنثبت ونقرر: أن كافة المجاميع السكانية التي تتحدث اللغة السامية، إنما كانت قد نزحت عبر العصور من براري وواحات شبه الجزيرة العربية إلى مناطق المراعي على حافات الأراضي الصالحة للزراعة في شمال وشرق الصحراء العربية السورية. وهذا التجول والتحول من البداوة إلى التحضر والمدنية كانت، كما يشهد بذلك اهتمام الكتاب والمفكرين، عبارة عن حركة مستمرة لا تعرف التوقف “.

أما المحاولات لتحريف القرآن الكريم وإدخال نصوص مدسوسة، فهي محاولات لم تتوقف منذ فجر الاسلام، وجهات كثيرة حاولت التحريف، وفي المقدمة حاول اليهود تحريف القرآن، وهناك طبعات من القرآن محرفة، بعدها حاولت أطراف أخرى طباعة القرآن وإدخال تحريف، كان بعضها متقن الصنع، والبعض الآخر واضح جداً ومكشوف، والمحاولات لن تتوقف حتى يومنا هذا.

لم تتوقف المحاولات المتفاوتة في حجمها وقوتها، للنيل من اللحمة بين العروبة والإسلام. ورغم وجود أحاديث عديدة للرسول (ص) تؤكد على هذه اللحمة، إلا أن المحاولات تفعل كل شيئ، حتى الاستناد إلى توصيفات وتعبيرات دينية، منها نعلم أن فك عرى العروبة عن الإسلام، وبالعكس هو جهد قديم حديث، وإن يشتد في هذه المرحلة لإضعاف العروبة والإسلام كلاهما

” إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل، فقسم الناس قسمين، فقسم العرب قسما، وقسم العجم قسما، وكانت خيرة الله في العرب، ثم قسم العرب قسمين، فقسم اليمن قسما، وقسم مضر قسما، وقسم قريشا قسما، وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خير ما أنا منه . قال الهيتمي في مبلغ الأرب : “

” يا سلمان؛ لا تبغضني فتفارق دينك. قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هدانا الله! قال: تبغض العرب فتبغضني “

” : حب قريش إيمان وبغضهم كفر، وحب العرب إيمان وبغضهم كفر، فمن أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني . “

” العرب الذين دخلوا في الإسلام وحملوه إلى الناس وعلموه الناس وصاروا قدوة في الخير، كالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من العرب ومن حمل الإسلام معهم من العجم، فهؤلاء لهم فضل ولهم مزية من العرب والعجم. فـالصديق وعمر وعثمان وعلي وبقية العشرة وغيرهم من الأنصار والمهاجرين لهم فضل عظيم، وهكذا من تبعهم بإحسان في حمل العلم والجهاد في سبيل الله حتى نشروا دين الله وعلموه الناس، سواء كانوا عرباً أو عجماً، لهم حق عظيم على المسلمين المتأخرين في الدعاء لهم والترضي عنهم وشكرهم على ما فعلوا، وحبهم على ذلك”

( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ يوسف : ٣

فالعرب أو العربي سمي كذلك لوضوح لغته وسلاستها وأصلها واتساعها وشموليتها ولذلك يقال أعْرَبَ أي وضّحَ وبيّنَ، فهي لغة البيان والوضوح. لهذا أنزل الله تعالى كتابه الأكمل بهذا اللسان المبين وأعاد الأمر إلى الأصل الأول.

هذه الأمة ولغتها ودينها خالد حتى يرث الله الأرض وما عليها، وسوى هذا عبث وحرث في الماء طائل منه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى