أخبار هبنقة

الزومبي

 
وليد عيسى شدود
في ذات يوم بينما كان اهلي يرقصون ويغنون ويفرحون, وإذا بجماعة منهم خرجت فصاحت معلنة انتهاء الفرح, فبدأت تخيفهم وترعبهم لينتهي الفرح, وراحت هذه الجماعة تُعمِل فيهم شتّى أساليب الفتك والكره والخراب والتقتيل التي لم يسبق لها مثيل, فانتفض آخرون يدافعون ويدفعون عن أنفسهم بلاءً ما عهدوه, فخسروا الحال والمال والولد, والمعترضين خسروا أيضاً.
وبدأت الرحى تدور وتدور, سنيناً وسنين, فطحنت الاثنين معاً, وكل جماعة راحت تعتدُّ بأعداء جماعة, ولم يَعُد لأحد مصلحةٌ في إنهاء هذا الخلاف, حتى ضرب الموتُ مَن بينهما, وتحولوا جميعاً الى زومبي, جثثاً متحركة تتفرج فقط لا حول لها, ولا تملك من أمر وجودها إلا انتظار الفناء.
لقد اصبح أهلي قطيعاً من الزومبي, قطيعاً من الجثث المتحركة تسير هائمة على وجهها بطريقةٍ مترنحةٍ لا ثبات فيها, فوجوههم شاحبة ونظراتهم حائرة عارية من أية مشاعر, لدرجة أنك تستطيع أن ترى ابتسامةً جامدة لا حياة فيها, والأسى والهمّ والغمّ والشحوب والذبول والنحول يعتري أجسامهم.
لقد مات أهلي، وجيراني، وأصدقائي, ماتوا جميعاً, ماتوا رغم أنهم أحياء, كان موتاً جماعياً, إنها مجزرة بلا دماء, ماتت نفوسهم, ولكن أيُمكنك أن تتصوّر موت أُمّة كاملة؟, ـ حقيقةً ـ كيف يمكن لجماعات أن تموت نفسياً؟, كيف يمكن أن تفقد الشعور بلذة الحياة وشغف البقاء؟.
قال لنا سعد الله ونوس يوماً: ” أننا محكومون بالأمل”, وهذا يوم امتحان مقولته, فإن كانت حقيقةً فسوف نحيا, ولكن يا أسفي ” إنّ الأمل مسروق “.
يبدو أن قطعان الزومبي هذه بدأت تعتاد عملَ أيّ شيء يمكن أن يبقيها حية لأطول مدة ممكنة مع أن البرد ينهش عظامها والجوع يأكل احشاءها والمرض دبّ في جسدها, لا هي تدفأ ولا هي تشبع ولا قدرة لها على مداواة نفسها. فهل الأمل هو ما يجعلها حية؟, وهل يكفي الأمل لاستمرار بقاء أُمّةٍ, تنتظر النهاية فقط وهي تتابع كيف يتساقط أفراد الزومبي الآخرين في هاوية الفناء واحداً تلو الآخر؟.
لقد أكلوا كل ما ادخر لهم اسلافهم, وما ادخروا لأولادهم, والآن يأكلون اجسادهم كي لا يموتوا.
كان لكل زومبي منهم حكاية ولك أن تتخيل عدد الحكايات, ولكلّ منهم قصة فتخيّل عدد القصص, ولكنّ المثير أكثر أنه كان للقطيع كلّه حكاية واحدة, وهي أن بيوتهم باردة وبطونهم جائعة, مكلومون بأولادهم, محاربون بأرزاقهم, منسيّةً أوجاعهم, متروكون لأقدارهم.
لقد كان كبار السنّ والشيوخ والعجائز من هؤلاء الزومبي يشعرون بالقهر بسبب رؤيتهم لإنجازاتهم تتهاوى أمام أعينهم, وكان الشباب منهم يشعرون باليأس والضعف بسبب أحلامهم وطموحاتهم التي تنهار ايضاً, وكان الأطفال يشعرون بالحيرة والضياع لعدم قدرتهم على استشراق مستقبلهم بوضوح.
مع كل ما ذكرته لك سابقاً أستطيع أن أضيف لك حقيقةً جليّة عن قطعان الزومبي في بلدي وهي أنهم ما زالوا مسالمين, محبين, طيبين, لطيفين, تكتَنِفهم فطرة الحب والبساطة.
فهم في جيناتهم أشرافاً, لم ولن يعرفوا العبوديّة أبداً, وهذا يثير في نفسي تفاؤلاً قوياً في أنهم لن يبقوا زومبي, وسيعودون ثم ينهضون من تحت الرماد كما مَثّلَتْهم أسطورة طائر الفينيق التي طالما آمن بها أجدادهم, فكل ما يكابدونه الآن ليس سوى درساً آخر ضمن مسيرة صيرورتهم وقتالهم لأجل البقاء والريادة, فسلاماً عليكم أشراف بلادي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى