أحوال عربية

الثورة الاجتماعية

 
امجد محمد ابراهيم
كلمة الثورة استخدمت و ما زالت و في مختلف اللغات و من خلال ادبيات تيارات سياسية و اجتماعية كثيرة. و برغم هذا الاستخدام الواسع للكلمة فاننا نكاد لا نجد تعريف واضح و علمي و محدد للكلمة. الثورة الصناعية و الثورة الزراعية, و الثورة في العلوم تستخدم في العادة للدلالة على الاكتشافات التي غيرت حياتنا و فتحت الابواب امام انطلاق طاقات هائلة جديدة ساهمت في تحسين حياتنا و رفع مستوى معيشة البشر و ازدهار حياتنا بهذا الشكل او ذاك.
ولكن يبدو ان استخدام كلمة الثورة في عالم السياسة يحمل تشويشا و ارتباكا كبيرا و لا يتمتع بنفس الوضوح الذي نراه في الاستخدام العلمي للمصطلح. الفكرة الشائعة حول كلمة الثورة في عالم السياسة بانها جموع بشرية غاضبة تخرج الى الشوارع للمطالبة بتغيير الواقع الموجود و اقامة واقع جديد. و هنا تكون لدينا مشكلة في الاتفاق على مفهوم التغيير الذي هو تعبير مطاطي في عالم السياسة المبني على الاراء الشخصية. و لان السياسة ممارسة انسانية مبنية على مصالح طبقات و جماعات و تنطلق من الاراء حول كيفية تنظيم مجتمع بدائي قائم على الندرة و طريقة ادارة و توزيع الثروات في مجتمع يتصارع افراده للحصول على اشياء لا تكفي الجميع, فان هنالك الاف التعريفات و التفسيرات لكل حدث جماهيري عنيف فيما اذا كانت ثورة ام لا.
فما هي الثورة؟
عندما نقول ثورة فان اول ما يتبادر الى اذهاننا هو ان هنالك جموع غاضبة كبيرة في الشوارع و هذه الجموع ربما تطالب باسقاط حكومة او تشريع دستور جديد او اي تغيير راديكالي اخر في المؤسسات و النظم القانونية السائدة. هذا التعريف السائد يروج له رجال السياسة و يحبونه كثيرا من اليسار الى اليمين. فتجد ان جميع القوى الراديكالية تدعو للثورة, و لدينا مصطلحات كثيرة على غرار الثورة الاسلامية و الثورة العمالية و الثورة الوطنية و التحررية و الثورة الاشتراكية و غيرها. جميع القوى الراديكالية تدعو الجماهير الى الثورة التي تراها صائبة استنادا الى اراءها و فلسفتها الخاصة حول الثورة.
الدعوة الى الثورة الغاضبة و استخدام عبارات مثل جمعة الغضب و يوم الغضب و يوم القصاص و غيرها توحد الاشتراكي و الاسلامي و الفاشي و القومي. و برغم انهم خصوم الداء و لكنهم يدعون جميعا الى ان تخرج جماهير غاضبة في نفس اليوم.
لماذا ستخرج هذه الجماهير و لاجل تحقيق ماذا؟ هذا ليس مهما, المهم ان تثور الجماهير ضد الاوضاع القائمة.
في ايران خرجت الجماهير في 1979 في ثورة غاضبة دعى اليه الماركسي قبل الاسلامي. انتهت الثورة باقامة الجمهورية الاسلامية. فكانت الثورة بالنسبة للاسلامي قد انتصرت و بالنسبة للماركسي و الليبرالي قد سرقت. و منذ اليوم الثاني بدأت فصائل المعارضة الايرانية بالدعوة الى الثورة من جديد. هذا الشئ يجري الان في مصر و في سوريا و تونس و الكثير من الدول الاخرى.
الان دعونا نجد تعريفا علميا للثورة تستطيع ان تقيم تصورا اكثر عقلانية. اي ان لا يكون قائما على الاراء بل على العلم و المنطق. فالثورة كمصطلح علمي هي اي عملية تؤدي الى نقلة نوعية في تحسين حياة البشر. فاختراع القنبلة الذرية ليست ثورة و لكن اكتشاف البنسلين و المضادات الحيوية كانت ثورة في الطب. و اذا طبقنا ذلك على علم الاجتماع فان اي عمل يؤدي الى تحسين حياة المجتمع بشكل عام وجذري و يجعله اكثر انسجاما و تطورا و يرفع مستوى الصحة العامة و الرفاهية و السعادة لكل افراد المجتمع هو ثورة.
ان هذا يدعونا الى طرح سؤال اخر الان وهو: ما هو العمل الذي يؤدي الى تحسين حياة المجتمع بشكل عام و يجعله اكثر انسجاما و تطورا و يرفع مستوى الصحة و الرفاهية و السعادة لكل افراد المجتمع؟
استنادا الى ذلك فاننا لكي تكون لدينا ثورة علينا ان نبدأ من النهاية. اي من الاشياء التي نريد الوصول اليها و ان يكون لدينا تصور عن شكل حياتنا بعد الثورة و طريقة تنظيم و ادارة المجتمع بما يحقق هذه الاهداف التي نضعها صوب اعيننا.
العلماء الذين اكتشفوا البنسلين و اخترعوا المحراث او الالة البخارية كانت امامهم اهداف واضحة عملوا لاجلها و لذلك حققوا نجاحات ثورية. و المهندس الذي يريد بناء منزل يضع خطة مسبقة و لديه تصور واضح عن النتائج و اي خلل في الحسابات يؤدي الى انهيار المبنى. الامر نفسه ينطبق على الثورة و حيث ان الثورة بدات منذ اكتشاف العقار الاول للبنسلين و المحراث الاول و الالة البخارية الاولى فان الثورة الاجتماعية لا تبدأ في الشارع بل تبدأ منذ اللحظة التي تكون لديك فكرة كاملة عن كيفية اقامة مجتمع افضل. و يكون عملك اليومي لاحلال ذلك و جعله واقعا و كل الوسائل التي تستخدمها للقيام بهذا التحول عبارة عن فصول مختلفة للثورة. ان نشر الوعي و المعرفة حول المستقبل هو ثورة في الوعي و الخروج الى الميادين في جموع صغيرة او كبيرة لدفع التغيير عبر الاعتصام السلمي و النضال المدني هو ايضا ثورة.
الثورة الاجتماعية عبارة عن كل ما تقوم به من اعمال يصب في مسار التغيير منذ اليوم الاول حتى اليوم الاخير. انها عملية اجتماعية شاملة للتغيير على جميع الاصعدة اهم فصولها اعداد الجماهير لاقامة هذه التحولات الاجتماعية. و هي قطعا لا علاقة لها بالترويج للغضب و القصاص عبر جموع غاضبة تعرف اسماء اعدائها و كل شئ عن صناعة المولوتوف و لا تعرف اي شئ عن الزراعة و الصناعة و كيفية اقامة و ادارة مجتمع انساني مزدهر خالي من الاستبداد و الظلم. ان قوى الامر الواقع هي في الحقيقة القوى التي تدعو الى ثورات عمياء و تدفع بالمجتمعات الى الشوارع باي ثمن لاشعال دوامات العنف و هذه القوى لا تستطيع سوى تدمير ما هو قائم في افضل الاحوال و ادخال المجتمعات في فوضى.
ان الانتفاضات الجماهيرية و هبات الغضب لا تنتظر قرارات من احد و هي تحصل في العادة جراء تراكم الظلم و اشتداد الازمات و القوى السياسية تركب هذه الموجات و تحاول توسيع نفوذها من خلال ذلك. الانتفاضات تنفجر بطريقة تشبه انهيار جليدي يحصل جراء تراكم الثلج و لكن مثل هذه الانتفاضات و كما تبرهن عليها جميع تجارب الماضي لا تؤدي سوى الى دوامات عنف تنتهي بقيام انظمة استبدادية, و لكي نرجو من مثل هذه الاحداث ان تؤدي الى تغيير في صالح البشر علينا ان نعمل بشكل يومي لنشر تصور عن الطريقة التي يمكننا بها جعل حياتنا افضل لكي تكون هذه هي الفكرة السائدة في اي تحرك جماهيري في المستقبل. دون ذلك لن تؤدي اعمال الغضب سوى الى تدهور الاوضاع نحو الاسوأ.
ان الثورة الحقيقية هي الثورة الاجتماعية التي ترفض الواقع بالبديل الذي تطرحه و هي تبدأ عندما يكون لديك تصورا كاملا و شاملا للمستقبل المزدهر و تعمل لاجل تحقيقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى