ثقافة

قانون الحركة التاريخية

 
 
دكتور محمد عمارة تقي الدين
“العار، العار، العار.. ذلك هو تاريخ الإنسان”، تلك هي مقولة فريدريك نيتشه فيلسوف القوة الألماني، ولعلها نتيجة لتأمله في مجريات التاريخ البشري وما وقع به من مذابح وأهوال وبشاعات، من منبعه وصولاً للمصب، لم يعكر صفوه إلا استثناءات ضئيلة جداً، غير أن مياهه كانت مخضبة بالدماء على الدوام.
ومن ثم فالتساؤل الخارج من رحم هذا العنوان مصحوباً بصرخة مدوية وكأنها صرخة الميلاد: هل بالإمكان وضع قانون من شأنه ضبط وتفسير الأحداث التاريخية، والعلل والدوافع الكامنة وراء حدوثها بهذا الشكل أو ذاك دون غيره؟
ومن ثم إمكانية التدخل الحاسم لاقتياد الأحداث التاريخية المستقبلية للوجهة الإنسانية القيمية التي نريد، لنتجنب تكرار وقوع تلك الأحداث المأساوية، هل هذا ممكن؟
في يقيني أن تلك المهمة غاية في الصعوبة، فالأمر جد مختلف مقارنة بالظواهر الطبيعية وقانون الحركة الطبيعي الذي يفسر تلك الظواهر الطبيعية بشكل قطعي، أما الأحداث التاريخية فهي ظاهرة بشرية يصعب تفسيرها بدقة لتعقُّد مُدخلاتها، وتشابك العوامل المؤدية إليها، واختلاف تلك العوامل في قوة تأثيرها ما بين أوَّلية وثانوية، أضف إلى ذلك اختلاف وربما تضارب الروايات حول الواقعة الواحدة وطرائق حدوثها.
ومع ذلك سنحاول بلورة عدد من الدوافع والمحركات الرئيسية التي تقف وراء الأحداث التاريخية، والتي من شأنها إعانتنا على قراءتها وتفسيرها بشكل أكثر عمقًا، ومن ثم إمكانية تحييد هذه الدوافع أو صبغها بصبغة إنسانية تمكننا من الدفع بعجلة التاريخ نحو الأفضل ليتخذ مساراً تصاعدياً عوضاً عن المنحنى التنازلي المتورط فيه بشكل يكاد يكون مُطلقاً طوال مسيرته من المنبع وحتى المصب.
في اعتقادي أن هناك خمس نزعات أو محركات للتاريخ بشكل عام، هي:
النزعة القومية، النزعة المادية، النزعة الدينية، النزعة الذاتية، النزعة العدائية الناجمة عن غياب أو تغييب المعرفة الحقة.
فعلى مر التاريخ كانت هناك حروب وصراعات واستعمار أوطان وإسقاط ممالك وإمبراطوريات، إما باسم القومية، أو باسم الدين، أو من أجل أطماع ومصالح مادية، كالسيطرة على مصادر الثروات، أو استجابة لأطماع ذاتية وتحقيق مجد شخصي للزعيم أوالنخب ومراكز القوى التي حوله، أو نتيجة عدائية ناجمة عن سوء معرفة بالآخر.
والمُلاحظ أنه كثيرًا ما تتشابك وتتداخل أكثر من نزعة في تشكيل وصياغة حدث تاريخي واحد.
وتُمثِّل الحروب الصليبية نموذجًا فريدًا لمزج تلك النزعات أو المحركات الخمس مع بعضها البعض وتوظيفها لأغراض خبيثة ولا إنسانية، ومن ثم كانت جرائمها الأكثر بشاعة مقارنة بالجرائم الأخرى على مدار التاريخ الإنساني.
فقد جرى توظيف النزعة القومية بذريعة استعمار الشرق لأجل إضافة مساحات جديدة للإمبراطوريات الأوروبية ذات المساحات الجغرافية الضيقة، ومن ثم تم مزجها بالنزعة المادية حيث استثارة الأطماع في خيرات الشرق (الذي يفيض لبنًا وعسلًا)، ثم مزجها بالنزعة الدينية حيث الادعاء الكاذب بأن تلك الحملات من أجل تحرير بيت المقدس من أيدي المسلمين ونُصرة الصليب، والنزعة الذاتية حيث رغبة عدد من ملوك وأمراء أوروبا في تحقيق مجدهم الشخصي، وأخيرًا النزعة العدائية الناجمة عن غياب المعرفة إذ عبرها جرى تشويه وشيطنة الآخر.
والحقيقة أنه بسبب تلك النزعات الخمس في أبعادها أللإنسانية أضحى التاريخ البشري على امتداده هو تاريخ حروب وصراعات تكاد لا تتوقف، وأضحت يد التاريخ البشري مُخضَّبة بالدماء، بل إنه غارق فيها من رأسه حتى أخمص قدميه.
فبحسب المؤرخ الكبير وول ديورانت:”لم تتمتع الإنسانية على مدار تاريخها إلا بعام واحد من السلام كل اثنتي عشرة سنة حروبًا وصراعًا”، بل إن موسوليني بالغ في الأمر إذ كان يردد:” الدماء وحدها هي التي تحرك عجلات التاريخ”.
فلقد تحولت هذه النزعات الخمس، بفعل التوظيف المنحرف لها لنزعات مدمرة، فكل الحروب والصراعات على إمتداد التاريخ الإنساني ومن دون مبالغة قد خرجت من رحمها، نعم من رحمها وحدها.
ونحن نعتقد أن أحداث التاريخ ستظل تندفع بذات الاتجاه المدمر إن لم يتم كبح جماحها عبر حقنها بجرعة قيمية إنسانية تراحمية خالصة ممتدة المفعول وعالية التركيز في آن.
ومن ثم نذهب إلى أنه من أجل ترويض هذه النزعات الخمس وأنسنتها، يمكن أن نشرع في تبنِّي الأطروحات التالية:
في النزعة القومية يمكن أن نتحدث عن قومية إنسانية عامة، وانتماء إنساني لقبيلة آدم ولبني البشر في المطلق، أي القومية البشرية والأخوة العالمية كأفق بديل عن النزعة القومية في صيغتها شديدة التعصب، ومن ثم على الجميع العمل من أجل هذه القومية الإنسانية التي بتحققها ستتحق القوميات الأصغر لكن بشكل وصيغة إنسانية تراحمية.
وفيما يتعلق بالنزعة المادية، يمكن ترويضها عبر أطروحاتنا التأسيسية السابق إضاءتها(القيمية تقود إلى النفعية في التحليل الأخير)، ومن ثم التأصيل لأطروحة أن التعايش مع الآخر ومد يد العون له وعقد مصالحة شاملة مع هذا الآخر بإطلاقه هو نفع مادي وإنساني عام، لي ولهذا الآخر وللجميع في آن.
وفيما يتعلق بالنزعة الدينية، يمكن ترويضها عبر إعادة قراءة الأديان قراءة إنسانية تراحمية، وهي في حقيقتها قراءة مقاصدية تعبر عن إصدار السماء في نسخته الحقيقية قبل أن تطاله الأيديولوجيات البشرية الحديدية، عبر هذه القراءة التي من شأنها تحرير الدين من قبضة الأيديولوجيا ستصبح النزعة الدينية بمثابة دعوة وبرنامج لإضفاء المحبة والسلام على الكون كله.
وفيما يتعلق بالنزعة الذاتية، يمكن أن نتحدث عن معادلة: مركز الذات يكمن في الآخر، وأن المجد الشخصي في عمقه هو ليس التوسع الإمبراطوري والانتصار في الحروب، وإنما في إقرار السلام والتسامح والعدالة في الأرض، إن تحقيق مجد الآخر هو في عمقه تحقيق لمجدي الشخصي، بهذا المفهوم يمكن أن نُخرِج كثيريين ممن اعتبرهم التاريخ زعماءً كباراً من ثلة العظماء ونضعهم في ثلة مجرمي الحرب.
وفيما يتعلق بالنزعة العدائية الناجمة عن غياب المعرفة يمكن ترويضها عبر بث معرفة حقيقية عن الآخر، لذا فمجتمعات الشفافية والعلم حيث المعرفة الحقة تقل فيها العدائية إلى حد كبير ويتم إعطاء الأمور قدرها الحقيقي وطرح سيناريوهات للحلول الإنسانية أولاً وقبل كل شيء.
ونحن نعتقد أنه طالما أن هذه النزعات الخمس في جموحها ومنطقها اللإنساني قائمة، فإن نظرية إرتقاء التاريخ البشري تصبح غير ذات معنى، ولن تتحقق مطلقًا، بل سيظل التاريخ يندفع نحو الأسوأ كقوة جبارة وعمياء تقف على حافة الفناء.
وفي التحليل الأخير، دعنا نأخذ الصراع العربي الصهيوني، كنموذج دراسة حالة، إذ سنجده وقد تم المزج فيه بين عدد من النزعات التي وظفتها الحركة الصهيونية لخدمة مشروعها الاستعماري، وهي:
النزعة القومية، حيث توظيف الحاجة الزائفة التي جرى زرعها في وجدان اليهود ليكونوا (شعبًا مثل سائر الشعوب)، والترويج لأكذوبة أن ذلك هو الحل الوحيد والأمثل للمشكلة اليهودية.
النزعة الدينية، إذ جرى توظيف العاطفة الدينية لدى اليهود وتعلُّقهم بالأرض المُقدَّسة، ومن ثم أضحت العودة الروحية إليها عودة مادية فعلية ودون انتظار عصر الخلاص كما أمرتهم كتبهم المُقدَّسة، بل وجرى توظيف مجمل العقائد الدينية اليهودية لخدمة تلك الغاية.
النزعة المادية، حيث امتطاء الموجة الاستعمارية الأوروبية وتزايد الأطماع في خيرات الشرق، والزعم الصهيوني بأنه عبر استيطان فلسطين يمكن إقامة دولة الرفاهية القصوى لليهود كفردوس أرضي شبه يوتوبي.
النزعة العدائية الناحمة عن غياب أو تغييب المعرفة الحقة، حيث انكار وجود الشعب الفلسطيني وإن وجدت بعض القبائل فهي من المجرمين والهمج وقطاع الطرق الذين يجب الخلاص منهم، فهكذا زعمت الصهيونية.
والحقيقة أنه لو أمكننا تفكيك هذه النزعات في بعدها الصهيوني، وفضح منطقها اللا إنساني، ليس أمام العالم فحسب، بل وأمام اليهود أنفسهم، ليقفوا عراة أمام مرآة الواقع، لحظتها سيكون المشروع الصهيوني قد تبخر وتلاشى في الهواء، هواء الحقيقة المطلقة العبق بأريج التراحم الإنساني العام.
الملاحظة المركزية هنا، وفيما يتعلق بتلك النزعات الخمس في وجهها القبيح، هو وجود علاقة شرطية بينها وبين الاستبداد، فكلما أطل برأسه وحش الاستبداد كلما تبدت تلك النزعات بوجهها القبيح، وكلما غاب الاستبداد وأورقت شجرة الحرية كلما تم ترويض تلك النزعات وأنسنتها قدر الإمكان لتعطي خيرها للبشرية، من هنا فكل أحداث التاريخ الأكثر جرماً ووحشية تجدها وقد خرجت من رحم الاستبداد، نعم من رحمه وحده، ولنا في هذا الطرح دراسة مفصلة بإذن الله.
فالاستبداد هو بحق إيدز الحضارة الإنسانية، إذ يُفقدها مناعتها وقدرتها على مجابهة التحديات ومن ثم تصبح مهيأة للانهيار الداخلي قبل الخارجي منه.
وفي النهاية فقد حاولنا في تلك المقالة التأسيسية إضاءة قناعة مركزية لدينا، وهي أن التاريخ إن تركناه يسير بعفوية سيندفع بالبشرية نحو واقع كارثي، ومن ثم علينا التدخل الحاسم في الأحداث التاريخية عبر حقن النزعات الخمس، وكما سبق القول، بجرعات عالية التركيز من القيمية والتراحمية الإنسانية لإنقاذ مستقبل البشرية والدفع به نحو الأفضل.
عرض استبعاد_هوشيار_زيباري_وحكم_المحكمة_الاتحادية.docx.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى