مرشح للرئاسة الفرنسية يتعهد باستخدام الجيش لوقف الاحتلال الإسرائيلي والإبادة في غزة

حافة الخيار العسكري: عندما تتحول السياسة الفرنسية نحو اختبار الدم والنار في غزة

في خطوة سياسية جريئة وغير مألوفة في أروقة الدبلوماسية الغربية، أثار زعيم حركة “فرنسا الأبية” والمرشح للرئاسة الفرنسية، جان لوك ميلانشون، عاصفة من الجدل والتفاعل بعد إعلانه الصريح عن استعداده لتسخير القوة العسكرية الفرنسية إذا لزم الأمر، في مواجهة حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة ومخططات التوسع والضم في الأراضي الفلسطينية. هذا الموقف المتقدم لا يمثل مجرد تصريح انتخابي عابر، بل يعيد طرح أسئلة كبرى حول حدود المسؤولية الأخلاقية والقانونية للدول الكبرى تجاه المآسي الإنسانية الكبرى.

من حدود الدبلوماسية الباردة إلى خيار القوة

اعتادت العواصم الأوروبية، ومنها باريس، أن تتحرك ضمن مساحات آمنة من التنديد اللفظي، والبيانات الدبلوماسية الباهتة، والمناشدات الإنسانية التي لا تودي ولا تغني من جوع. لكن طرح ميلانشون يكسر هذه القاعدة التقليدية عبر التلويح باستخدام الأدوات السيادية القصوى – الجيش – لفرض معادلة مختلفة.

تمثلت أبرز محاور هذا الطرح في إمكانية إرسال سفن حربية فرنسية لمواكبة وحماية أساطيل التضامن الدولية الساعية لكسر الحصار البحري وإيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، فضلاً عن التصدي المباشر للممارسات الإسرائيلية الإجرامية. إنها نقلة نوعية من ثقافة “التعاطف عن بُعد” إلى ثقافة الاشتباك السياسي واللوجستي العملي.

كسر الصمت الأوروبي وتعرية التواطؤ

لطالما وجه ميلانشون انتقادات لاذعة وحادة لصمت المسؤولين الغربيين إزاء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني. وفي قراءته للواقع الأوروبي، اعتبر أن التخاذل عن معاقبة سياسات الإبادة والتطهير العرقي يضع الحكومات الغربية في دائرة التورط الأخلاقي والسياسي المباشر.

هذا الخطاب يلامس جرحاً عميقاً لدى قطاعات واسعة من الشارع الفرنسي والأوروبي الذي بات يشعر بالخزي والعجز أمام هول المشاهد اليومية القادمة من غزة. فحين يعلن مرشح رئاسي بارز أنه مستعد لتحريك القطع البحرية العسكرية لحماية قوافل الإغاثة، فإنه يضع المؤسسة السياسية التقليدية أمام مرآة عورتها، ويكشف زيف الادعاءات القائلة بأن “لا أيدٍ تمتد لإنقاذ الضحايا”.

رهان على وعي الشعوب أم مناورة انتخابية؟

يُنظر إلى هذا الموقف من زوايا متباينة؛ فبينما يراهن مؤيدوه على أنه شجاعة نادرة تعيد الاعتبار للقيم الإنسانية الكبرى وللقانون الدولي الذي يُنتهك جهاراً نهاراً، يرى خصومه أنه مجرد مزايدة سياسية واستثمار ذكي لمشاعر التعاطف المتنامية مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الفرنسي.

ولكن بغض النظر عن الحسابات الانتخابية الضيقة، فإن مجرد طرح خيار “استخدام الجيش لحماية المساعدات ووقف الإبادة” يغير سقف النقاش السياسي في فرنسا وأوروبا. إنه يخرج القضية الفلسطينية من دائرة المجاملات الدبلوماسية إلى دائرة القرارات الاستراتيجية الحساسة.

إن تعهد مرشح رئاسي بحجم ميلانشون بوضع القدرات العسكرية الفرنسية في خدمة حماية أسطول التضامن ووقف المأساة في غزة، يثبت أن ضمير الشعوب الحية لا يزال ينبض، حتى وإن غفلت عنه النخب الحاكمة. وسواء كتب لهذه الأفكار أن تتحول إلى واقع تنفيذي أم بقيت في حدود الطموح السياسي، فإنها تظل صفعة في وجه الصمت الدولي، وتذكيرًا بأن التاريخ لا يرحم من شاهدوا المذبحة واكتفوا بالفرجة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك