انظروا الى الأزمات التي نعيشها .. انها جزء من عقاب الله بسبب خذلان غزة
بسمة عمران
حين يتأمل المرء واقع العالم اليوم، وما يعج به من أزمات متلاحقة، وكوارث طبيعية، واضطرابات اقتصادية واجتماعية تضرب الشرق والغرب، لا يسعه إلا أن يتوقف طويلاً أمام السؤال الأزلية والعميق: لماذا يتوالى العذاب وتتكالب الأزمات؟
وفي خضم هذا المشهد المظلم، يبرز تساؤل أشد قسوة وأعمق أثراً في وجدان الأمة: أليست هذه الأزمات المتراكمة، يوماً بعد يوم، هي العقاب الإلهي المسلط بسبب صمتنا، وتجاهلنا، وخذلاننا المستمر لأوجاع أهلنا في غزة؟
إنه لمن الخطورة بمكان أن نمر مرور الكرام على ما يُقاسي إخواننا في غزة من إبادة وحصار وتجويع، وكأن الأمر لا يعنينا، أو كأننا نعيش في كوكب منفصل. والأسوأ من ذلك هو الاعتقاد بأن تقاعس الأمة عن نصرة المستضعفين، والتواطؤ بالصمت، والاشتغال بتوافه الأمور وسط مأساة بهذا الحجم، لن يمر دون حساب كوني وتاريخي.
إن السنن الإلهية في الكون لا تحابي أحداً، فالله سبحانه وتعالى عادل لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. وحين تتفشى الغفلة، وتموت الضمائر الحية، وتتجاهل الشعوب والحكومات نداءات الدم والدموع، فإن السنن الكونية تتحرك.
- عقوبة التخلي عن الأخوة الإنسانية والدينية: إن غزة لم تكن مجرد بقعة جغرافية تعرضت للعدوان، بل كانت وما زالت “ميزان الشرف الإنساني”. لقد كشفت المحنة زيف الشعارات الكبرى، وأسقطت الأقنعة عن وجه العالم بأسره، وعن عالمنا العربي والإسلامي على وجه الخصوص. حين نرى طفلاً يُنتشل من تحت الأنقاض، أو أًماً تبكي حبيبها، ثم ندير وجوهنا لنتابع شؤوننا اليومية واحتفالاتنا وتناحراتنا السياسية، أفلا يكون ذلك إيذاناً بسقوط أخلاقي يستوجب العقاب؟
- العقوبة الجماعية وصمت النخب: القرآن الكريم والتاريخ البشري يعلماننا أن العقوبات الإلهية إذا نزلت، فإنها لا تقتصر على الظالم المباشر فحسب، بل تشمل الساكتين عن الظلم، الراضين به أو المتغافلين عنه. قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]. إن التجاهل المتعمد لمأساة غزة هو نوع من أنواع الموت القلبي والجمود الروحي الذي يفتح الباب واسعاً أمام الأزمات الاقتصادية، وتآكل القيم، وضنك العيش.
شواهد العصر.. هل الأزمات انعكاس لفساد الضمير الجمعي؟
إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، سنجد أن الأزمات لم تعد عابرة، بل أصبحت هيكلية ومستدامة:
- الأزمات الاقتصادية وغلاء المعيشة: كأن الأرزاق تضيق والبركات تُمحق حين تفقد المجتمعات تعاطفها الإنساني وتتخلى عن قيم التضامن والنصرة. فالمال الذي يُنفق في البذخ بينما تُترك غزة تحترق، يفقد بركته.
- الاضطرابات النفسية والاجتماعية: موجات اليأس، والقلق، وتفكك روابط الأسرة والمجتمع، أليست انعكاساً لحالة الانفصام الكبرى بين ما يعيشه الإنسان من رفاهية مادية زائفة، وبين ما يراه من خذلان صارخ لإخوانه؟ إن الضمير المعذب يخلق مجتمعات مريضة تعاني من أزمات داخلية لا تنتهي.
غزة كاشفةً وليست مجرد مظلومة
غزة اليوم ليست محتاجة لشفقتنا فحسب، بل هي المرآة الكاشفة التي تُرينا عيوبنا، وتقيس مناعة أخلاقنا وديننا وإنسانيتنا.
إن التجاهل والتبرير بالقول: “ما باليد حيلة” أو “السياسة معقدة”، هي أعذار واهية تسقط أمام هول التضحيات. وحين نتجاهل هذه الأوجاع، فإننا نغرس شوكة في جسد الأمة المعنوي. الأزمات التي تعترضنا كل يوم – سواء كانت قحطاً، أو غلاءً، أو فتنًا داخلية، أو شعوراً بالضياع والوهن – قد تكون في عميق حقيقتها رسائل إنذار ربوية توقظ فينا ما مات من معاني الضمير والأخوة.
إن الإنذار الإلهي لا يقصد منه الإهباط واليأس، بل الإصلاح واليقظة. إن أردنا أن تُرفع عنا هذه الغمة، وأن تتوقف دوامة الأزمات التي تطحن حياتنا كل يوم، فلا بد من:
- الاعتراف بالتقصير: ومواجهة الذات بمرارة الخذلان والتجاهل الذي مارسته المجتمعات والنخب.
- استعادة بوصلة الإنسانية: وجعل قضية غزة وأوجاع المظلومين حاضرة في الدعاء، والخطاب، والموقف، ومقاطعة كل ما من شأنه دعم آلة الدمار.
- العودة للعدل والقيم العليا: فالله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.
حين نلتفت حقاً لأوجاع غزة، ونشعر بآلامهم كأنها آلامنا، ووقتها فقط، قد تأذن السماء بانقشاع سحب الأزمات، ويعود للكون توازنه المفقود



إرسال التعليق