حين يصبح الصدق غربة…
رشيد مصباح (فوزي)
المرء هو من يحدد القيمة التي يعطيها لنفسه، ولا ينبغي أن ينتظر من الآخرين أن يمنحوه هذه القيمة، أو أن يتسوّلها لديهم. فالإنسان الذي يحترم نفسه لا يحتاج إلى تصفيق الآخرين حتى يشعر بكرامته.
يقول المثل الفرنسي: «Chacun est roi chez soi». لكن المشكلة حين يخلط بعض الناس بين قيمة الإنسان ومظاهر المكانة التي يصنعونها لأنفسهم، متخفّين وراء ابتسامات توحي بالصفاء والطيبة، بينما تخفي نفوسهم الكبر والحقد والأنانية.
ليست هذه هي القيم التي تربينا عليها، ولا تلك التي عرفناها عند آبائنا وأجدادنا، طيّب الله ثراهم. لقد تغيرت أشياء كثيرة، وأصبحت المصالح الشخصية والمنافع والمظاهر تطغى على حساب الأخلاق. حتى إن النفاق الاجتماعي صار سلوكًا مألوفًا، يمارسه كل واحد بطريقته، وكأننا اتفقنا جميعًا على إخفاء ما في نفوسنا وإظهار ما يرضي الآخرين.
وبحكم تجاربي المتواضعة في الحياة، أصبحت أميل إلى الاعتقاد بأن بعض أشكال المعاناة النفسية مردّها إلى البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان. فليس من السهل أن يجد المرء نفسه محاطًا بسلوكيات تناقض ما يؤمن به من قيم، ثم يُطلب منه أن يتأقلم معها وكأن الأمر طبيعي.
وقد يشعر بعض الشباب، على وجه الخصوص، بنوع من الاغتراب داخل مجتمعاتهم، لا بسبب أوضاعهم المادية وحدها، وإنما بسبب رفضهم الانسجام مع واقع اجتماعي يطغى عليه النفاق والانتهازية والتناقض بين الأقوال والأفعال. ولا يعني ذلك أن كل من يختلف مع محيطه على صواب، أو أن معاناته تشخيص لمرض نفسي بعينه، لكن من الظلم أن نتجاهل أثر البيئة في نفس الإنسان.
لقد جاء ديننا الحنيف ليهذّب النفوس ويعلّمنا التسامح والتواضع والإيثار والصدق. غير أن هذه القيم تتطلب جهادًا حقيقيًا للنفس، وهو أمر ليس بالهيّن؛ فمن السهل أن نتحدث عن الأخلاق، لكن الأصعب أن نمارسها عندما تتعارض مع مصالحنا ونزواتنا.
ولعل ما يثير الاستغراب أن الحديث عن هذه القيم أصبح يزعج بعض الناس، وكأن تذكيرهم بها استفزاز لهم. لم نعد نرتاح لمن يدعونا إلى مراجعة أنفسنا، لأن ذلك يضعنا أمام حقيقة لا نحب مواجهتها: لسنا دائمًا كما نحب أن نظهر أمام الآخرين.
وأعتقد أن الحل لا يكمن في مطالبة الإنسان بالتأقلم مع كل ما يجده في محيطه، ولا في اعتباره مريضًا لمجرد أنه يرفض بعض السلوكيات السائدة. بل في مراجعة العادات والتصورات الفاسدة التي جعلت النفاق مقبولًا، والصدق سذاجة، والتواضع ضعفًا، والأنانية حقًا مشروعًا.
فهل أصبح الصدق سببًا للاغتراب؟ وهل صار على الإنسان أن يتنازل عن شيء من قيمه حتى يحظى بقبول مجتمع لا يحترم دائمًا ما يدعو إليه؟
لستُ أدعو إلى المثالية، ولا أدّعي أنني بمنأى عن أخطاء البشر، لكنني أؤمن بأن الإنسان حين يفقد احترامه لقيمه، ويبدأ في مجاراة ما كان يرفضه، يكون قد خسر شيئًا من نفسه، حتى وإن كسب رضا الآخرين.



إرسال التعليق