مداوروش… حين يعجز العلم أمام الحنين

مداوروش… حين يعجز العلم أمام الحنين

رشيد مصباح (فوزي)

–

من أبوليوس إلى بشير حليمي، مرورًا بوجوه عديدة أثّرت في المشهد المداوروشي، هناك رجال أضافوا إلى مدينتهم مجدًا لا تمنحه القصور ولا الألقاب التي يرتديها الملوك والوجهاء.

فكل أمة وكل بلد، وصولًا إلى أصغر مدينة وقرية، إنما يعتزّ بأبنائه البررة، أولئك الذين لا يجدون حرجًا في ذكر أصولهم والاعتزاز بها، بل يظلّ الحنين إلى موطنهم يسكنهم مهما ابتعدت بهم المسافات وبلغوا من المراتب ما بلغوا.

وقد سبق لي أن عبّرت عن هذا المعنى في مقال عنونته: «اِبكِ (بشير) واِحيَ فينا هذه المشاعر النبيلة!»، لأن الإنسان، مهما بلغ من تجارب ومراتب في الحياة، يظلّ ضعيفًا أمام مشاعر الحب والخوف والرجاء والحنين، ولا يستطيع التحكم فيها مهما حاول التظاهر بالقوة ورباطة الجأش.

وقد ذكّرني بهذه المعاني (فيديو) أرسله إليّ صهري المحترم «إسماعيل فراحتية»؛ الإطار النزيه الذي ترأس ذات يوم شركة جهوية، صاحب ”اليدين النظيفتين“، المقيم حاليًا في واشنطن، فله مني جزيل الشكر، وله ولمن معه كل التقدير.

قد يرى غيري في الفيديو مشهدًا عاديًا لرجل يتحدث عن مسقط رأسه، لكن الأمر بالنسبة إليّ مختلف؛ فأنا أنتمي إلى هذه المدينة الصغيرة، مداوروش، التي أنجبت رجالًا تركوا بصماتهم في العلم والأدب والإعلام ومختلف مؤسسات الدولة.

من أبوليوس، صاحب «الحمار الذهبي»، إلى الطاهر وطار، مؤسس المدرسة الجاحظية، مرورًا بمعمر فارح، مؤسس جريدتي «لوسوار» و«آخر ساعة»، وعبد الكريم زرّوقي، الذي خاطر برأس ماله لإنقاذ عشرات العائلات من البطالة والفقر، وصولًا إلى إطاراتها الكبار، ومنهم المرحوم سي معمري، المدير العام السابق للحماية المدنية الذي لم يتنكّر يوما لبلدته وغيرته على موطنه ومسقط رأسه، وعبد الله بلهوشات، القائد العسكري الكبير الذي لُقّب ذات يوم بالرجل الثاني بعد الرئيس، وغيرهم ممن لا يمكن ذكرهم جميعًا. والمدن لا تُقاس بعمرانها وحده، بل بما تنجبه من رجال وما يتركونه من أثر.

لكن مداوروش اليوم لم تعد تلك القرية التي تنتج ”قمح الهذباء“، وتُخرج رجالًا يفرضون حضورهم بعلمهم وثقافتهم وكفاءتهم. لقد جرى عليها ما جرى على الجزائر، من عمليات تهجين وتدجين غيّرت الإنسان والمجتمع، وأعادت تشكيل مقاييس النجاح والوجاهة.

لقد اختلفت المكاييل؛ فلم يعد المرء يُقدَّر دائمًا بما يحمله من ثقافة، وما يقدّمه من علم وأدب، بل أصبح كل شيء أشبه بسوق، تتراجع فيه قيمة الإنسان أمام قيمة ما يملك، ويعلو فيه شأن من يدفع أكثر. وهكذا غدت المكانة، في كثير من الأحيان، مسألة مال ومصلحة، بدل أن تكون ثمرة كفاءة وعطاء.

أما مشهد بشير حليمي، فقد أعادني إلى ما هو أعمق من الاعتزاز بأبناء المدينة. لقد بكى الرجل أمام الكاميرا وهو يذكر والدته التي كانت تشجعه على الإبداع، فغلبته مشاعره وأبكانا معه.

لقد استطاع هذا العالم الكبير تطويع الحروف حين استعصت، لكنه عجز عن حبس دموعه أمام لحظة شوق وحنين. كأنه عاد طفلًا يفتقد أمه، ويستعيد زمنًا لا تعيده المسافات ولا تعوّضه النجاحات.

وأتفهم هذا الإحساس الذي حرّكه الفيديو في نفس إسماعيل، كما قد يحرّكه في نفوس غيره ممن أبعدتهم الغربة عن أهلهم وبلدهم. ففي كل واحد منا طفل صغير يرفض أن يموت غريبًا، ولا يعرف عمق هذه المشاعر مثل من جرّب مرارة الفراق أو فقد دفء الأم.

شكرًا للعم «إسماعيل» على هذا الفيديو الذي حرص على مشاركتي إياه. لقد أعاد إليّ صورة مداوروش وأبنائها، وذكّرني بأن الإنسان، مهما تغيّرت أحواله وارتفعت مكانته، لا ينسى بسهولة المكان الذي بدأ منه، ولا الأم التي آمنت به وشجعته على أن يكون ما أصبح عليه.

فقد يعجز الإنسان عن ردّ الزمن، لكنه لا يعجز عن الحنين إليه؛ وقد يطوّع العقل أعقد الحروف، لكن القلب يظلّ عصيًّا على التدجين.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك