عندما تنفصل الأخلاق عن التديّن والثقافة

عندما تنفصل الأخلاق عن التديّن والثقافة

رشيد مصباح (فوزي)

–

من الناس من يصوم كل يوم اثنين وخميس، ومعها الأيام البيض، ويقوم الليل، ويحج ويعتمر كل سنة تقريبًا. وهذه عبادات يُغبط عليها صاحبها، إذا أخلص فيها لله. لكنه، في المقابل، قد يفتقد شيئًا من الصدق والإخلاص في تعامله مع الناس.

فهل يكفي أن يكثر المرء من العبادات حتى نعتبره متديّنًا، مهما كان سلوكه بعيدًا عن الأخلاق التي يدعو إليها الدِّين؟

ومن الناس من يزعم أنه مثقف، ويحظى باحترام الآخرين، لكنه يفتقد النزاهة والتواضع، وتطغى عليه الأنانية كلما تعلّق الأمر بمصالحه الشخصية. وقد يتحوّل، عند أول اختبار حقيقي، إلى انتهازي لا يرى من المبادئ إلّـا ما يخدم مصالحه.

فهل تكفي المعرفة والألقاب والمكانة الاجتماعية حتى ننعته بالمثقف، ونحن نعلم أن من غايات الثقافة الارتقاء بالفكر وتهذيب السلوك؟

كيف يمكن أن نتصوّر دينًا بلا أخلاق، أو ثقافةً لا تترك أثرًا في أخلاق صاحبها؟

لقد قال الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق». كما خاطب الله نبيّه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

فإذا كانت الأخلاق بهذه المكانة في الدِّين، فما قيمة المظاهر التعبّدية إذا لم يرافقها صدق في القول، وأمانة في التعامل، وعدل في الحكم على الآخرين؟

وما جدوى الثقافة إذا لم تساعد صاحبها على التحرّر من الأنانية والانتهازية، وعلى احترام حقوق غيره، حتى عندما تتعارض مع مصالحه الشخصية؟

وأنا أتابع، منذ مدة، سلسلة الأفلام الوثائقية الفرنسية «J’irai dormir chez vous»، التي يقدّمها الصحفي والمغامر «أنطوان دي ماكسيمي»، وجدتني أتأمل في جوانب من شخصيته وطريقة عمله. فهو يسافر إلى بلدان مختلفة، ويلتقي أناسًا من ثقافات متباينة، ويحاول الاقتراب من حياتهم اليومية، بعيدًا عن الصورة الجاهزة التي قد تنقلها إلينا وسائل الإعلام.

ما لفت انتباهي في هذا العمل ليس السفر والمغامرة وحدهما، وإنما التواضع والفضول واحترام الإنسان، والرغبة في الاكتشاف من خلال اللقاء المباشر بالناس. فهو لا يتعامل مع من يلتقيهم باعتبارهم مجرد مادة للتصوير، بل يمنحهم مساحة ليعبّروا عن أنفسهم، ويترك للمشاهد فرصة اكتشاف عوالم قد لا يعرف عنها الكثير.

وقد جعلني ذلك أفكر في معنى الرسالة التي يحملها الصحفي، وفي الفرق بين من يمارس مهنته بحثًا عن الحقيقة، ومن يتخذ منها وسيلة لتحقيق مآربه الشخصية؛ كم يبدو محترمًا صاحب الرسالة حين يجمع بين المعرفة والتواضع، وبين الجرأة واحترام الآخرين!

وكم يفقد المرء من مكانته حين يجعل قلمه تابعًا لمصالحه، ويبيع رأيه لمن يدفع أكثر، ثم يتحدث عن المبادئ وكأنه حارسها الأمين!

إن المقارنة هنا لا تتعلق بجنسية صاحب المهنة أو دينه، وإنما بما يقدّمه من سلوك. فقد نجد النزاهة عند من لا يشاركنا معتقداتنا، وقد نفتقدها عند من يرفع الشعارات التي نؤمن بها. فالقيم لا تُقاس بما يعلنه الإنسان عن نفسه، بل بما يكشفه سلوكه عندما تُختبر مبادئه.

وحين ترى صحفيًا أجنبيًا يقدّم لك، من خلال عمله، درسًا في التواضع واحترام الإنسان، ثم ترى آخر ينتسب إلى دينك، لكنه يجعل قلمه في خدمة مصالحه، فلا بد أن تتوقف وتسأل نفسك: أين الخلل؟

هل الخلل في الدِّين، أم في فهمنا له؟ وهل المشكلة في الثقافة، أم في تصورنا لها؟

لعل المشكلة أننا كثيرًا ما نهتم بالصورة التي نظهر بها أمام الآخرين، أكثر من اهتمامنا بما نحن عليه في الحقيقة. نريد أن نُعرف بعباداتنا، أو بشهاداتنا، أو بمناصبنا، أو بما نملكه من معارف، لكننا لا نولي القدر نفسه من الاهتمام لما ينبغي أن يرافق ذلك كله من صدق وتواضع ونزاهة.

فليس كل متديّن مهذّبًا بالضرورة، وليس كل مثقف إنسانًا نزيهًا. لكن التديّن الذي لا يوقظ الضمير، والثقافة التي لا توسّع أفق الإنسان ولا تهذّب سلوكه، يطرحان سؤالًا مشروعًا عن المعنى الذي بقي منهما.

إن المجتمع لا يرتقي بكثرة المتعبّدين وحدها، ولا بعدد الشهادات والألقاب التي يحملها أبناؤه، وإنما يرتقي حين تتحوّل القيم التي يتحدث عنها إلى سلوك يومي، وحين تصبح النزاهة أقوى من المصلحة، والصدق أثمن من المكسب، واحترام الإنسان أسبق من البحث عن المكانة.

فالدِّين ليس مظهرًا نتباهى به، والثقافة ليست لقبًا نتزيّن به. كلاهما يفقد شيئًا من معناه حين ينفصل عن الأخلاق.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك