لماذا يميل القائمون على أعمال الشغب للاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة؟
محمد عبد الكريم يوسف
تُشكّل أعمال الشغب وتدمير الممتلكات العامة والخاصة ظاهرة اجتماعية مركّبة حظيت باهتمام متزايد من علماء النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع وعلم الجريمة على حدّ سواء. ويُعرَّف الشغب بأنه “مظاهرة عنيفة أو صدام يشمل أكثر من مئة مواطن ويتضمن استخدام القوة المادية”، وغالباً ما تترافق هذه الأحداث مع تدمير واسع للممتلكات. ففي أعمال شغب لندن عام 2011 وحدها، بلغت قيمة الأضرار المادية أكثر من 200 مليون جنيه إسترليني، مع سقوط خمسة قتلى وإصابات عديدة. وتثير هذه الظاهرة سؤالاً جوهرياً: لماذا يقدم أفراد — في كثير من الأحيان — على تدمير بيئتهم المحلية والممتلكات التي قد يستفيدون منها، مع تعريض أنفسهم لخطر الإصابة أو الاعتقال دون تحقيق مكسب مباشر من أفعالهم؟. يسعى هذا البحث إلى تقديم إجابة أكاديمية منظّمة عن هذا السؤال، من خلال استعراض الأطر النظرية المفسّرة لسلوك التدمير الجماعي، وتحليل العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكامنة وراءه، مع الاستناد إلى أدبيات علمية محكّمة.
أولاً: الأطر النظرية المفسِّرة لتدمير الممتلكات في أعمال الشغب
1- نظرية الحرمان النسبي (Relative Deprivation Theory)
تُعدّ نظرية الحرمان النسبي من أبرز التفسيرات النفسية لأعمال الشغب. صاغها تيد روبرت غار (Ted Robert Gurr) في كتابه “لماذا يتمرد البشر؟” (Why Men Rebel, 1970)، وتقوم على فكرة أن السلوك العنيف الجماعي ينشأ عندما يُدرك الأفراد وجود فجوة بين ما يملكونه فعلاً وما يعتقدون أنهم يستحقونه. فالحرمان النسبي ليس الفقر المطلق، بل هو التباين المُدرَك بين التوقعات المشروعة والقدرات الفعلية. وكلما اتسعت هذه الفجوة المُدركة، تصاعدت مشاعر الإحباط والاستياء، مما يزيد من احتمالية الانخراط في العنف الجماعي.
وقد دعمت دراسات تجريبية حديثة هذه النظرية بشكل قوي. ففي سلسلة من 19 تجربة شملت 171 مشاركاً، استخدم باحثون من جامعة لندن كوليدج (UCL) لعبة تفاعلية تُدعى “Parklife” حيث تنافس فريقان في بناء حديقة افتراضية، مع إتاحة خيار تخريب حديقة الفريق الآخر. وعندما تم التلاعب بجعل اللعبة غير عادلة — بحيث يُضطر الفريق المحروم إلى العمل ضعف جهد الفريق الآخر للحصول على المكافآت — لجأ الفريق المحروم إلى تخريب ممتلكات الفريق الآخر بشكل أكبر، وأفاد أفراده بمستويات أعلى من الحرمان النسبي والإحباط. وقد أظهرت النماذج القائمة على العوامل أن أفعال التدمير كانت مدفوعة بالتفاعل بين مستوى الإحباط الفردي وسلوك الفريق ككل. وتشير هذه النتائج إلى أن “عدم المساواة بين الجماعات لها تأثير سببي مباشر على الصراع بين المجموعات”.
غير أن نظرية الحرمان النسبي واجهت انتقادات منهجية، إذ لم تُظهر بعض الأعمال السوسيولوجية ارتباطاً واضحاً بين مؤشرات الحرمان الاقتصادي الموضوعي وأعمال الشغب. لكن المدافعين عنها يردّون بأن الحرمان النسبي مفهوم ذاتي لا يُقاس بالمؤشرات الاقتصادية الكلية وحدها، وأن الدراسات التجريبية الحديثة تجاوزت هذه الإشكالية المنهجية.
2-نظرية الهوية الاجتماعية المُوسَّعة (Elaborated Social Identity Model)
تقدّم نظرية الهوية الاجتماعية تفسيراً بديلاً أو مكمّلاً، إذ ترى أن سلوك مثيري الشغب ليس سلوكاً عشوائياً أو “أهوج”، بل هو سلوك تعبيري يعكس هويات اجتماعية جماعية وقيم ومعتقدات مشتركة. ووفقاً لهذا المنظور، فإن تدمير الممتلكات واستهداف رموز معينة (كالمتاجر أو المراكز الشرطية) ليس مجرد تخريب مادي، بل هو “بيان رمزي” موجّه ضد جماعة خارجية أو ضد نظام يُدرَك كظالم.
وقد أظهر تحليل موضوعي لـ 41 مقابلة مع مشاركين في أعمال شغب أن هوية مشتركة معادية للشرطة سمحت بتجاوز التنافسات المحلية وتشكيل هوية جمعية موحّدة، مما مكّن الحشد من تحويل أهدافه من المواجهة مع الشرطة إلى نهب الممتلكات وتدميرها. ويُفسَّر هذا التحول بأن الحشد عندما يشعر بالقوة والتمكين الجماعي، تُعاد رسم حدوده وتزداد توقعات الدعم المتبادل، مما يدفع الأفراد إلى “تجسيد” هويتهم الجماعية عبر أفعال ملموسة — ومنها تدمير الممتلكات. وهكذا فإن التخريب في هذا الإطار ليس مجرد عدوان، بل هو أداة لتحقيق الهوية الجماعية وتأكيدها.
3- نزع الفردية وسلوك الحشود (Deindividuation and Crowd Behaviour)
يُقدّم مفهوم “نزع الفردية” — الذي طوّره فيليب زيمباردو — تفسيراً مكمّلاً للآلية النفسية التي تسمح للأفراد العاديين بالانخراط في تدمير الممتلكات. ففي الحشود الكبيرة، يشعر الأفراد بدرجة من الغموض (Anonymity) وفقدان الهوية الشخصية، مما يخفّف من وطأة الضوابط الأخلاقية والاجتماعية الداخلية، ويجعلهم أكثر استعداداً للانصياع لسلوك الجماعة بدلاً من التصرف كأفراد مستقلين. ويُوصف هذا النمط من السلوك بأنه “انحراف جماعي” حيث “يفقد المشاركون هويتهم الشخصية وإحساسهم بالمساءلة في ظل غموض الحشد”. ونتيجة لذلك، تظهر أفعال تخريبية — كتحطيم السيارات والواجهات والممتلكات — لا يُقدم عليها الأفراد عادةً في ظروفهم الاعتيادية. ومع ذلك، يُشدّد الباحثون على أن نزع الفردية لا ينفي وجود دوافع أو أهداف لدى المشاركين، بل يوفّر السياق النفسي الذي يخفض كلفة السلوك التدميري من الناحية الأخلاقية.
4-التهميش والعقلانية المحدودة (Marginalization and Rationalistic Explanation)
يتجاوز التفسير العقلاني لأعمال الشغب — كما قدّمه هولدو وبينغتسون (Holdo & Bengtsson) — النظرة إلى مثيري الشغب كمجرد أشخاص مدفوعين بالإحباط أو الانجراف الجماعي. إذ يلاحظ هؤلاء أن أعمال الشغب الحضرية “تُرتكب عادةً من قبل أفراد يعيشون في مناطق سكنية تعاني من التهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي النسبي”. ويقترح الباحثان نموذجاً يفسّر كيف أن التهميش يُنتج الشغب عبر آليات اجتماعية عقلانية: فالتهميش يخلق حوافز محلية عامة (كالشعور بالظلم والإقصاء)، لكن هذه الحوافز لا تتحول إلى شغب إلا عندما يختل التوازن المحلي الهشّ بفعل حدث معيّن (كحادثة شرطة أو شائعة) يجعل الشغب يبدو “مبرَّراً وخالياً من المخاطرة ومثيراً”. وبهذا لا يكون تدمير الممتلكات مجرد تعبير عن غضب أعمى، بل استجابة عقلانية نسبياً ضمن سياق من الفرص المتاحة والكلف المحسوبة. وهذا النموذج قادر على تفسير لماذا تتكرر أنماط مماثلة من الشغب في أماكن مختلفة تحت ظروف هيكلية متشابهة.
ثانياً: العوامل المتعددة المستويات: تداخل النفسي والاجتماعي والاقتصادي
تُظهر الأدبيات أن تدمير الممتلكات في أعمال الشغب لا يُفسَّر بعامل واحد، بل ينتج عن تداخل عوامل على ثلاثة مستويات على الأقل: المستوى بين الجماعات (Intergroup)، والمستوى داخل الجماعة (Intragroup)، والمستوى الفردي (Individual).
1-العوامل الاقتصادية والاجتماعية الهيكلية
تشير دراسات عديدة إلى أن مثيري الشغب ينحدرون بشكل غير متناسب من أحياء تعاني من الحرمان الاقتصادي والتهميش الاجتماعي. ففي تحليل لبيانات 1620 مثير شغب في أحداث لندن 2011، وُجد أن “مثيري الشغب كانوا أكثر احتمالاً للانحدار من أحياء محرومة اقتصادياً”، ومن مناطق ترتفع فيها التجزئة العرقية وتقلّ فيها المنظمات الخيرية. كما ارتبطت المظالم السياسية — وخاصة الشعور بعدم احترام الشرطة — بزيادة احتمالية المشاركة في الشغب. وتُفسَّر هذه العلاقة من خلال نظرية الحرمان النسبي: فالتهميش الاقتصادي والاجتماعي يولّد إحساساً بالظلم والإقصاء، وهو ما يخلق الاستعداد النفسي للانخراط في سلوك تدميري موجّه ضد رموز السلطة والملكية.
2- العوامل داخل الجماعة: الامتثال والخوف من التخلف عن الركب
لا يقتصر دافع المشاركة على الحرمان الفردي، بل تلعب ديناميكيات الجماعة دوراً محورياً. فقد كشفت دراسة عن أعمال شغب إندونيسيا (مايو 1998) — التي استهدفت الأقلية الصينية العرقية ودمّرت آلاف المنازل والمتاجر — أن الدوافع توزّعت على ثلاثة مستويات: بين الجماعات (التحيز العرقي، العداء لقوات الأمن)، وداخل الجماعة (الامتثال، والخوف من التخلف عن الركب/FOMO)، والفردية (البحث عن الإثارة، الحاجة للمعنى، الجشع، الاندفاعية). والملاحظة اللافتة أن “الامتثال” — وهو عامل داخل الجماعة — أبلغ عنه جميع المشاركين دون استثناء، مما يعني أن الضغط الاجتماعي داخل الحشد كان الدافع الأكثر شمولاً للمشاركة في التدمير والنهب. ويُظهر هذا أن تدمير الممتلكات قد يكون في كثير من الأحيان سلوكاً امتثالياً أكثر منه سلوكاً عدوانياً مدفوعاً بدافع فردي بحت.
3- العوامل الفردية: الإثارة والجشع والاندفاعية
إلى جانب العوامل الجماعية، تلعب خصائص فردية دوراً في توجيه السلوك التدميري. فبعض المشاركين ينجذبون إلى أعمال الشغب بدافع البحث عن الإثارة أو الحاجة إلى الشعور بالأهمية أو الجشع أو الاندفاعية. كما أشارت دراسة عن التخريب إلى أن أهم دوافع المخرّبين تشمل “الفضول والتباهي والانتقام من المجتمع”، مع تأثير غير مباشر للاضطراب الأسري والفشل الاجتماعي وعدم المساواة الاقتصادية. غير أن هذه العوامل الفردية لا تعمل بمعزل عن السياق الجماعي؛ بل تتفاعل مع ديناميكيات الحشد والظروف الهيكلية لتُنتج السلوك التدميري.
4- العوامل الرمزية: استهداف رموز السلطة والملكية
لا يختار مثيرو الشغب أهدافهم عشوائياً في كثير من الأحيان. ففي أعمال شغب تونس (1983-1984) على سبيل المثال، استهدفت المظاهرات “رموز الثروة الاجتماعية، بدءاً بالسيارات ثم السلع الأخرى”، كما استُهدف البنك الذي يضمن قروض الإسكان في إطار خطط إعادة الهيكلة الحضرية. وهذا الانتقاء للأهداف يشير إلى أن تدمير الممتلكات يحمل دلالة رمزية تتجاوز قيمته المادية، إذ يُوجَّه ضد ما يُمثّله من تفاوت اجتماعي أو سلطة قاهرة. وفي السياق العربي، تُوصف أعمال الشغب الحضرية بأنها “عنف تعبيري استعراضي بالأساس يوجّه ضد مؤسسات الدولة ومصالحها، وكذلك ضد الممتلكات على غرار حرق السيارات”.
ثالثاً: نحو تفسير تكاملي
مما سبق، يتضح أن الإجابة عن سؤال “لماذا يميل القائمون على أعمال الشغب للاعتداء على الممتلكات؟” لا يمكن أن تكون أحادية. فالتفسير الأكثر اكتمالاً يقتضي الدمج بين:
- المستوى الهيكلي: الحرمان النسبي والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، اللذان يخلقان الاستعداد النفسي للغضب والاستياء.
- المستوى الجماعي: ديناميكيات الهوية الاجتماعية، والامتثال الجماعي، ونزع الفردية، والتمكين الجماعي الذي يجعل التدمير يبدو ممكناً ومبرَّراً.
- المستوى الفردي: الإثارة والجشع والاندفاعية والحاجة إلى المعنى، والتي تتفاعل مع السياق الجماعي لتحديد من يشارك وكيف.
- المستوى الرمزي: استهداف الممتلكات التي تُمثّل السلطة أو التفاوت أو الجماعة الخارجية، مما يمنح التدمير معنى تعبيرياً يتجاوز قيمته المادية.
ويُظهر هذا التداخل أن مثيري الشغب ليسوا بالضرورة “مجرمين” بالمعنى الفردي، كما أنهم ليسوا مجرد ضحايا للانجراف الجماعي. بل إن سلوكهم التدميري — على خطورته — ينبثق من “مواقف” أكثر مما ينبثق من “أنواع من الأشخاص”. وهذا الاستنتاج يحمل دلالات سياسية مهمة: فبدلاً من إدانة المشاركين أخلاقياً أو تجريمهم فردياً، ينبغي البحث في الأسباب الجذرية — وأبرزها عدم المساواة الاقتصادية والتهميش السياسي — كمدخل للوقاية من أعمال الشغب وتدمير الممتلكات.
خاتمة
قدّم هذا البحث استعراضاً أكاديمياً للأسباب التي تدفع القائمين على أعمال الشغب إلى الاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة. وقد تبيّن أن هذه الظاهرة تتطلب تفسيراً متعدد المستويات يجمع بين نظرية الحرمان النسبي، ونظرية الهوية الاجتماعية، ومفاهيم نزع الفردية وسلوك الحشود، والتفسيرات العقلانية للتهميش. وتتقاطع هذه الأطر لتكشف أن تدمير الممتلكات ليس فعلاً عبثياً، بل سلوك ذو دوافع نفسية واجتماعية ورمزية عميقة، يتغذى على الشعور بالظلم والإقصاء، ويتشكّل داخل ديناميكيات جماعية تُخفّف من الكلفة الأخلاقية للتدمير، ويستهدف في كثير من الأحيان رموزاً للسلطة والتفاوت. ويوصي البحث بضرورة توجيه الجهود البحثية والسياسات العامة نحو معالجة الأسباب الهيكلية — كعدم المساواة والتهميش — بدلاً من الاقتصار على الاستجابات الأمنية والقمعية، إذ إن الوقاية الفعّالة من تدمير الممتلكات تتطلب فهماً عميقاً للدوافع الإنسانية والاجتماعية الكامنة وراءها.
المراجع
- Dezecache, G., Allen, J. M., von Zimmermann, J., & Richardson, D. C. (2021). We predict a riot: inequity, relative deprivation and collective destruction in the laboratory. Proceedings of the Royal Society B: Biological Sciences, 288(1959), 20203091.
- Holdo, M., & Bengtsson, B. (2020). Marginalization and Riots: A Rationalistic Explanation of Urban Unrest. Housing, Theory and Society, 37(2), 162–179.
- Kawalerowicz, J., & Biggs, M. (2015). Anarchy in the UK: Economic Deprivation, Social Disorganization, and Political Grievances in the London Riot of 2011. Social Forces, 94(2), 673–698.
- Himawan, E. M., Pohlman, A., & Louis, W. R. (2026). The social psychology of collective violence: Civilian motivations for involvement in the Indonesian May 1998 riots. British Journal of Social Psychology.
- Drury, J., & Reicher, S. (2018). The evolving normative dimensions of ‘riot’: Towards an elaborated social identity explanation. European Journal of Social Psychology.
- Rayboub, H., & Messad, F. (2024). السلوك التخريبي في الأحياء الجامعية – دراسة ميدانية على عينة من الطلبة. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية, جامعة المسيلة.
- Gurr, T. R. (1970). Why Men Rebel. Princeton University Press. (مُشار إليه في المصادر التجريبية)
- Zimbardo, P. G. (1969). The human choice: Individuation, reason, and order versus deindividuation, impulse, and chaos. Nebraska Symposium on Motivation, 17, 237–307. (مُشار إليه في أدبيات نزع الفردية)
- دراسة حول أعمال الشغب في العالم العربي: العنف التعبيري وتدمير الممتلكات. المجلة الجزائرية للعلوم الاجتماعية والإنسانية (ASJP).
- Berk, R., & Aldrich, H. E. (1972). Patterns of vandalism during civil disorders as an indicator of selection of targets. American Sociological Review, 37, 533–547.



إرسال التعليق