ندوة لمركز العودة بمجلس حقوق الإنسان تناقش التوسع الاستيطاني والتهجير ومسؤوليات الدول الثالثة

عقد مركز العودة الفلسطيني في 29 سبتمبر 2026 ندوة جانبية على هامش أعمال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تحت عنوان “التوسع الاستيطاني والتهجير وتزامات الدول الثالثة في الأرض الفلسطينية المحتلة”. وشارك في الندوة نخبة من الخبراء والأكاديميين وهم: الدكتور رالف وايلد، والبروفيسور نيف غوردون، والدكتورة تهاني مصطفى، فيما أدارت الجلسة مريم سرور، مسؤولة المناصرة والعلاقات الخارجية في المركز.

عنف المستوطنين: منظومة إكراه ترعاها الدولة وتخدم “منطق الإبادة”

أوضح البروفيسور نيف غوردون أن عنف المستوطنين لا يمثل أفعالاً فردية أو استثنائية، بل هو عنصر بنيوي ومتواصل ضمن منظومة إكراه شاملة. وأشار إلى أن خطورة هذا العنف تكمن في الدور المباشر للدولة الإسرائيلية التي تزود المستوطنين بالأسلحة والسيارات ومعدات الرؤية الليلية والطائرات المسيرة، في حين يتقاعس الجيش والشرطة عن منع الاعتداءات أو التدخل لجمحها.

وأضاف غوردون أن المنظومة الأمنية والقضائية تشكل جزءاً من البنية الأوسع الداعمة لهذا العنف، حيث يُطلق سراح الجناة بانتظام أو تتساهل المحاكم بإصدار أحكام مخففة لا تتناسب مع جسامة أفعالهم. وأكد أن العنف يمتد ليحقق أثراً نفسياً يهدف إلى ترهيب السكان ومحاصرتهم داخل منازلهم عبر الاعتداءات وإحراق المركبات واستخدام رذاذ الفلفل، لإشاعة انعدام الأمان بين التجمعات المدنية.

وربط غوردون هذا العنف بتفتيت الحيّز الجغرافي الفلسطيني عبر عوائق الحركة والمناطق العسكرية المغلقة، ومناطق التدريب، والبؤر الاستيطانية، والمحميات الطبيعية، مشيراً إلى أن ذلك يأتي في إطار مفهوم “الاستعمار الاستيطاني” الذي نظّر له الباحث باتريك وولف والقائم على “منطق الإزالة والتطهير العرقي” لإحلال المستوطنين مكان السكان الأصليين.

التداعيات الاقتصادية والضم الفعلي للضفة الغربية

من جانبها، أكدت الدكتورة تهاني مصطفى أن التصعيد الميداني كان قد بلغ مستويات قياسية حتى قبل 7 أكتوبر 2023؛ إذ شُهد تسجيل نحو 184 اعتداءً يومياً للمستوطنين، بينما لم تكن التقارير الدولية ترصد سوى عدد محدود منها لاقتصار المعايير على الاعتداءات الجسدية المباشرة وتجاهل الإساءات اللفظية والنفسية اليومية.

وشددت مصطفى على الأثر الشديد لهذه الممارسات على الاقتصاد المحلي وسبل عيش الفلسطينيين، حيث أدى انعدام الأمان أثناء التنقل إلى تعطيل حركة الأعمال والشركات، فضلاً عن استهداف المزارعين في أراضيهم وممتلكاتهم وبنيتهم التحتية، بما في ذلك شبكات المياه.

ولفتت إلى أن تقاعس الأجهزة الأمنية والشرطية الإسرائيلية عن التحقيق في الجرائم يمثل خللاً ممنهجاً، حيث يُترك مرتكبو اعتداءات معروفون دون محاسبة، بل ويقوم الجيش في كثير من الأحيان بتسهيل الاعتداءات أو إغلاق منافذ القرى وتسييج التجمعات (مثل سنجل وتورمسعيا)، مما يحولها إلى مصائد تُضاعف من مخاطر تعرض السكان لمجازر جماعية.

واختتمت مصطفى بالإشارة إلى أن التراكم المستمر لهذه الانتهاكات دفَع قطاعات من الفلسطينيين للتفكير في “الهجرة الطوعية” لغياب آفاق الحياة القابلة للاستمرار، موضحةً أن افتقار السلطة الفلسطينية للهامش والقدرة على حماية مواطنيها أدى لتآكل شرعيتها، وأن هذا المسار يمثل فرضاً صريحاً لضم الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع (De Facto Annexation).

الواجبات القانونية للدول الثالثة وفقاً للقانون الدولي

تناول الدكتور رالف وايلد النقاش من منظور التبعات القانونية والالتزامات المترتبة على “الدول الثالثة” جراء عدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، محدداً ثلاثة واجبات رئيسية:

  1. العمل الإيجابي لإنهاء الاحتلال: اتخاذ جميع التدابير المتاحة لإنهاء هذا الوجود غير المشروع، بما يشمل فرض عقوبات شاملة على إسرائيل وعلى الأفراد المسؤولين.
  2. عدم الاعتراف: الرفض التام لإضفاء أي شرعية على وضع الاحتلال أو التعاطي معه كأمر واقع.
  3. الامتناع عن تقديم العون أو المساعدة: حظر أي دعم يسهم في استمرار الاحتلال. وأوضح وايلد أن حظر المساعدة في حالة الوضع غير المشروع هو حظر مطلق لا يشترط إثبات نية الدولة في دعم عمل غير قانوني.

وأكد وايلد أن التداخل الشديد بين بنية الاحتلال واقتصاد إسرائيل وجيشها ومؤسساتها يجعل من المستحيل فصل العلاقات السياسية والاقتصادية العامة عن دعم الاحتلال نفسه. وعليه، فإن الدول ملزمة بفرض حظر تجاري وعسكري واستخباراتي شامل، ولا يمكن اختزال الالتزامات في حظر منتجات المستوطنات فقط.

كما شدد على أن الفتوى الاستشارية لمحكمة العدل الدولية لعام 2024 تؤكد أن وجود إسرائيل في الأراضي المحتلة غير قانوني بحد ذاته، وأن قبول تبريرات “الدفاع عن النفس” لتبرير الوجود العسكري في أي جزء من الأراضي المحتلة (بما فيها غزة) يشكل خرقاً لالتزام عدم الاعتراف. ودعا وايلد المجتمع الدولي إلى الانتقال الفوري من بيانات الإدانة الرمزية والشكلية إلى إجراءات قانونية وعملية ملزمة وشاملة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك