رسالة من ميت مات قبل ربع قرن .. رسالة من القبر
صدى الأيام.. رسالة من خلف غياب نصف قرن
كان الغبار يعانق أوراق العتيق في تلك الزاوية المنسية من مكتبة الوالد الراحل. خمسة وعشرون عاماً مضت تماماً منذ ذلك الحادث المأساوي الذي خطف الأب “الحاج صالح” — المحاسب الدقيق الذي عاش حياته بين دفاتر الحسابات والأرقام — تاركاً خلفه طفلة صغيرة ذات ستة ربيعات تُدعى “زينة”، وأرملة تحارب ريح الأيام وحدها.
كانت السيدة زينة اليوم في الأربعين من عمرها، تعيد ترتيب مكتب والدها القديم تمهيداً لبيع البيت العائلي. وبينما كانت تفرز دفتراً جلدياً ضخماً خاصاً بحسابات سنة 2001 (عام وفاته)، سقطت من بين طياته ورقة صفراء مطوية بعناية، تحمل خط يد أبيها الأنيق المعهود. في أعلى الورقة، كتب بخط بارز ومؤثر: “إلى ابنتي المدللة زينة.. إن فتحتِ هذه الرسالة، فاعلمي أن الأبواب قد أُغلقت دوني، وأنني أكتب لكِ من خلف غياب طال أمده”.
أخذت أنفاس زينة تتسارع، واقتربت من النافذة لترى بضوء النهار المتبقي كلمات أبيها التي خطها قبل رحيله بأسابيع قليلة، كأنما كان يشعر بنهاية الأجل:
“ابنتي الغالية زينة.. طفلتي ذات السنوات الست التي تركتها في منتصف عاصفة الحياة، أعتذر لأنني أكتب لكِ اليوم لا لأروي لكِ حكايات الطفولة، بل لأعترف لكِ بما لم أستطع قوله وجهاً لوجه حين كنت أقبل جبيركِ النائم.
لقد أمضيتُ عمري كله محاسباً بارعاً؛ أوازن بين الأرقام، وأدقق في الفواتير، وأحسب الخسائر والمكاسب للشركات والناس، لكنني، ويا لعقدي، فشلت تماماً في إدارة حسابات روحي وحياتي الخاصة. لقد عشتُ طوال عمري أركض خلف الوهم، وأطارد طموحات مادية فارغة، وأستنزف صحتي ووقتي وعمري في جمع حطام دنيا زائلة، ظاناً أن السعادة تكمن في رصيد ببنك أو في إرضاء مجتمع لا يرحم.
يا زينة.. أكتب لكِ اليوم من خلف حجاب الندم، لا لأحزنكِ، بل لأحذركِ. لقد ضيعتُ أجمل سنوات عمري في الهروب من مواجهة نفسي، وفي تأجيل اللحظات الحقيقية مع أمكِ ومعكِ، بحجة “تأمين المستقبل”. وها قد مضى المستقبل، ووجدتُ نفسي في النهاية مفلساً من الدفء الإنساني، حاملاً وزر أخطاء قاتلة: أولها أنني نسيت أن الحياة لحظة، وثانيها أنني سمحت للخوف والتردد بأن يسرقا شجاعتي في اختيار ما أحب، وثالثها أنني لم أخبركِ بما يكفي كم كنتُ أحبكِ.
ابنتي الحبيبة.. لا تقعي في أخطائي! لا تبيعي أعوامكِ الثمينة في سوق الوهم والتردد، ولا تؤجلي السعادة بحجة العمل أو خوفاً من نظرات الناس. عيشي لحظتكِ بصدق، كوني شجاعة في اختيار طريقكِ، واجعلي ميزان حياتكِ الحقيقي منسوجاً من الحب، والرضا، والقرب ممن تحبين. لا تنتظري فوات الأوان لتكتشفي أن أثمن ما في الوجود ليس ما نملكه، بل من نُحبهم ويحبوننا.
سامحيني يا ابنتي على غيابي المبكر، واجعلي من أخطائي درساً ينير لكِ عتمة الطريق. أبوكِ الذي أحبكِ أكثر مما استطاع أن يفعله.”
سقطت دمعة حارة من عيني السيدة زينة لتستقر على توقيع أبيها في أسفل الرسالة. شعرت برعشة خفيفة تسري في جسدها، كأن روح والدها تقف خلفها الآن تبتسم لها بحنان بعد خمس وعشرين سنة من الفراغ. انقشعت غشاوة الزمن، وأدركت فجأة أن هذه الرسالة الصفراء لم تكن مجرد عتاب ميت لخطأ الماضي، بل كانت طوق نجاة، ووصية حية أيقظت في قلبها معنى الحياة من جديد.



إرسال التعليق